أنت غير مسجل في منتديات نبع الوفاء . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

––––•(-• أعلن معنا •-)•––––

   
   
   

ماشاء الله تبارك الله ماشاء الله لاقوة إلا بالله , اللهم إني أسالك الهدى والتقى والعفاف والغنى



الملاحظات


كتاب: كنت طبيب لصدام

كتب السياسة والتاريخ


موضوع مغلق
قديم 06 Jul 2006, 12:23 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي كتاب: كنت طبيب لصدام


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الكتاب بنزله على حلقات واذا هالطريقه التفاعليه تعجبكم نحاول نسويها في كتب معينه

كنت طبيباً لصدام

د. علاء بشير

##### الحلقة الأولي: #####




صـــــــدام: أنت علاء بشير الفنان.. ستصبح طبيبي الـخاص



أعددنا احتياجات المستشفيات من دون أن نعرف بالـحرب مع ايران


في حدود الساعة الخامسة صباحا من يوم الثالث والعشرين من سبتمبر من عام 1980 ايقظني صوت انفجار هائل. كنت قد قضيت الليل في مستشفي الواسطي في بغداد، فقفزت من سريري ونظرت من النافذة لأري النيران والدخان الاسود فوق حي زيونة، وهو من الاحياء الخاصة بالجيش. كانت بشائر اشعة الشمس قد بدأت علي استحياء تشق الظلام في هذا الوقت المبكر من الفجر، حيث انعكست ذهبية لامعة علي اجنحة قاذفات القنابل التي كانت تحلق فوق هذا الحي من المدينة وتلقي بأحمالها المميتة.

كان اول خاطر يخطر لي هو انها محاولة انقلاب، ولكنني رأيت بعد ذلك ان الطائرات إيرانية. ففي اليوم السابق كان صدام حسين قد امر السلاح الجوي من جهة، والجنود بدباباتهم من جهة اخري، ان يتوغلوا في الاراضي الايرانية في الجبهة الشمالية والجنوبية في شرق البلاد التي يبلغ طولها خمسمائة كيلومتر.

ها هو إذن رد طهران.

بعد ذلك بعشرين دقيقة وصلت اولي سيارات الاسعاف لتنقل الموتي والجرحي. كان اول الضحايا ولد في الخامسة من عمره، كان قد قضي الليلة مع والديه واخوته الكثيرين فوق سطح المنزل ليستمتعوا بنسمات الخريف الباردة. كان رأسه قد فصل عن جسمه، لا يربطه به سوي بعض الجلد المغطي بالدماء والطين والغبار. وكان والده ووالدته واخته قد لقوا ايضا حتفهم بعدما أطاح بهم الضغط الشديد الناجم عن انفجار قنبلة بالقرب من السطح الي حديقتهم الصغيرة. كان منظر الدم المتجلط والطين الاحمر والغبار يستدعي في النفس صورة التماثيل السومرية من الطين المحروق.

صراع طويل

في الراديو الذي ادرته علي برنامج الموجة القصيرة «صوت اميركا» كان احد المحللين في وكالة المخابرات الاميركية يعلق علي اندلاع الحرب. ما زلت اتذكر انه قد تنبأ بصراع طويل، دموي إلي أقصي الحدود، مضيفا ان هذا الصراع سيستمر لسنوات طويلة ولن يخرج منه اي من العراق او ايران مكللا بالنصر.

لا اعتقد ان محلل وكالة المخابرات الاميركية كان يدرك انه مُحِقٌّ فيما قاله.

أذهلتني مفاجأة الحرب تماما، لكن في واقع الامر ربما كان عليَّ ان استشعر ان شيئا ما سيحدث؛ فقبل ذلك بستة اشهر كنت عضوا في لجنة طارئة كانت مهمتها التحري عن مدي حاجة المستشفيات المدنية والعسكرية في العراق الي الادوية والمعدات وغيرها من التجهيزات الطبية. كان نصف اعضاء اللجنة من وزارة الصحة والنصف الآخر عينته وزارة الدفاع، وكان يتكون من الضباط والاطباء علي حد سواء، وحتي عندما طُلب منا بعد عدة اشهر من تشكيل اللجنة ان نعطي بيانات محددة عن مدي النقص في المحاليل وبلازما الدم ومراهم الحروق والمضادات الحيوية الضرورية في حال حدوث «كارثة وطنية» قد تخلف من الجرحي ما قد يصل الي عشرة آلاف جريح، حتي عندها لم ادرك انني اشترك في الاعداد للحرب ضد جيراننا!

السيطرة علي شط العرب

علمنا ان شط العرب هو السبب وراء هجوم القوات المسلحة العراقية علي ايران. ففي الشمال من مدينة البصرة يلتقي نهرا دجلة والفرات ليكونا هذا النهر العظيم الذي يواصل سيره لمسافة مائة كيلومتر حتي يصب في الخليج العربي لتكوّن بذلك آخر ثمانين كيلومترا من مجراه الحدود بين العراق وايران. يمثل شط العرب المنفذ الوحيد للعراق علي الخليج العربي. ويحكي ان السندباد في «ألف ليلة وليلة» قد ابحر من شطّ العرب في رحلاته الاسطورية.

حارب العرب في الغرب والايرانيون في الشرق لمئات السنين من اجل السيطرة علي هذا النهر المهم استراتيجيا والمتعرض لظاهرة المد والجزر، والذي يشهد حركة ملاحية نشطة. كانت الحدود بين العرب والايرانيين تسير في الجزء الاكبر من النهر بمحاذاة ضفة النهر في الجانب الايراني.

في شهر مارس من عام 1975 اعلن في اجتماع الوزراء في منظمة الاوبك في الجزائر ان صدام حسين والشاه الايراني محمد رضا بهلوي قد اتفقا علي تعديل الحدود لتسير بمحاذاة اعمق نقطة في عرضه.

كانت ايران تساند حينها بالمال والسلاح زعيم الاكراد مصطفي البرزاني ومحاربيه المعروفين باسم البشمركة الذين قاموا بتمرد جديد ضد القوات الحكومية في شمال العراق، وذلك بعد ان ساد جو من الهدوء النسبي في المناطق الجبلية، وهو ما يرجع الفضل فيه الي اتفاقية مهمة بين صدام وبرزاني في عام 1970، حيث اتفق كل من الطرفين علي ان يحصل الاكراد في خلال الاعوام الاربعة التالية علي ما يشبه الحكم الذاتي الكامل، لكن كالمعتاد كان هذا وعدا زائفا، ففي مارس من عام 1974 انتهت المهلة المحددة لتشكيل حكومة الحكم الذاتي دون ان يمنح صدام الاكراد استقلالهم الذي كان قد وافق عليه كتابيا.

في بادئ الامر لم يجد مصطفي البرزاني اي صعوبات في ان يحرك الشاه الايراني الذي تجمعه علاقة طيبة بالولايات المتحدة الاميركية لمساندة ثورة الاكراد التي بدأها بعدما تبين له انه قد خُدع من قِبَل صدام. كانت واشنطن لا تزال تتابع تقرب العراق من الاتحاد السوفيتي بعظيم الارتياب، لذا لم يكن مضرا بالمصالح الغربية ان تسهم ثورات جديدة وحرب اخري في اضعاف النظام في بغداد اقتصاديا وسياسيا، ذلك ما كانت تعتقده كل من وكالة المخابرات الاميركية والبيت الابيض.

لكن الشاه طعن الاكراد في ظهورهم عن طريق اتفاقية الجزائر في عام 1975، فلم يعد المتمردون يحصلون علي السلاح والمال، وذلك عندما اعلن صدام موافقته علي تحديد الحدود الجديدة في وسط شط العرب. عندها وجد البرزاني نفسه مجبرا علي وقف الاعمال القتالية الي اجل مسمي، وهرب الي ايران حيث كان يقيم هناك مائة الف لاجئ كردي، معظمهم من النساء والاطفال والشيوخ.

كان من المقرر ان تنهي اتفاقية الجزائر التي وقَّع عليها كل من العراق وايران الصراع بين الشعبين الشقيقين الي الابد. ذلك ما ورد في الاتفاقية، لكن لم تمر سوي اعوام قلائل حتي اخذت الاتهامات تنهمر من جديد بسبب انتهاك الحدود في شط العرب، سواء من جانب بغداد او من جانب طهران، وفي اثناء ذلك أُسقِط الشاه المريض بالسرطان، واستولت الاصولية الشيعية بعد ثورة 1979 علي السلطة بقيادة آية الله روح الله الخميني.

ولم تتحسن العلاقة بين «الشعبين الشقيقين» عندما عاد خميني يساند بالمال والسلاح البرزاني والبشمركة الذين بدأوا تمردا من جديد في المناطق الكردية في شمال العراق.

كانت الاخبار المستمرة حول انتهاك ايران للحدود في شط العرب او في اماكن اخري بمحاذاة خط الحدود الطويل تلقي بظلالها علي فصل الصيف السابق لاندلاع الحرب، فقام الجيش العراقي ببعض الاعمال الانتقامية في الاراضي الايرانية ردا علي ذلك، لكنني لم اكن اري ــ مثلي مثل معظم العراقيين ــ ان هذه المناوشات من شأنها ان تصبح حربا حقيقية.

أسباب أخري للحرب

إذن بدأت الحرب.

اعلن الجانب الرسمي ان انتهاكات ايران المستمرة للحدود جعلت شن هجوم علي ايران امرا لا مفر منه، لكننا كنا نظن ان هناك اسبابا اخري خفية لهذا الاندلاع الفجائي للحرب.

وعند التأمل العميق يمكن ان نفهم بسهولة ان الخميني واتباعه كانوا يسببون الخوف والرعب لصدام والنخبة السنية المحيطة به، حيث كان معظم العراقيين في آخر الامر شيعة، مثلهم مثل الاصوليين الذين استولوا علي السلطة في ايران، ولم يكن احد يعلم اذا ما كانت الثورة الاسلامية يمكن ان تمتد الي العراق العلماني ام لا؟

كان نزار الخزرجي واحدا من اهم قادة صدام العسكريين، حيث عين رئيسا لأركان الحرب في نهاية الحرب مع ايران التي امتدت ثمانية اعوام. كان نزار لا يخفي عليّ ابدا ان الرئيس كان يري ان الهجوم علي ايران امر ضروري ليتقي به هجوما مستقبليا من ايران. «كان لابد من الهجوم قبل ان يتمكن آية الله ومن معه من الموالي ان يستعيدوا القوة الحربية الكبيرة للجيش الايراني الذي كان قد شهد ضعفا كبيرا في صفوفه بسبب الفوضي التي عمت بعد سقوط الشاه، وبعد عمليات التطهير التي قام بها الضباط بعضهم بين بعض. كانت نصيحة المخابرات الحربية العراقية لصدام واضحة».

طرد الخميني

كانت العلاقات بين الرجلين القويين في بغداد وطهران قد تجمدت بعدما القي بالخميني في شهر اكتوبر من عام 1978 خارج مدينة النجف في العراق ــ المدينة المقدسة لدي الشيعة ــ حيث كان آية الله يبلغ من العمر آنذاك ستة وسبعين عاما. كان قبلها بأربعة عشر عاما قد عبر الحدود الي العراق ونزل بالقرب من ضريح الامام علي بعدما احتدم الخلاف بينه وبين الشاه، واضطر الي الذهاب للمنفي.

كان الشاعر والاديب الذي تقلد منصب وزير الاعلام والثقافة، شفيق الكمالي، قد كُلف بإبلاغ الخميني برسالة صدام التي فحواها ان استمرار بقاء آية الله في النجف من شأنه ان يصبح خطرا علي امن العراق ومصلحته القومية، وانه بالنظر الي الحالة غير المستقرة والمتوترة في ايران، وحفاظا علي العلاقة بين البلدين، فإن عليه ان يرحل.

قديم 06 Jul 2006, 12:25 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


لا سلام ولا نظرة

دخل الكمالي ومعه وفد كبير شقة الخميني في المدينة المقدسة، وقبل ان يسمح لهم بالدخول علي الخميني، ظهر سكرتيره الخاص واخبرهم ان آية الله الخميني لا يرغب في مصافحة احد، وان عليهم ان يكتفوا بتحية الاسلام المعروفة «السلام عليكم»، وعندما دخلوا الحجرة التي يستقبل فيها الخميني ضيوفه، كان الخميني يجلس مع المترجم علي الارض. قال الكمالي: «السلام عليكم»، لكن آية الله رد عليه السلام ببرود ولم ينهض ايضا، فكان علي اعضاء الوفد العراقي ان يجلسوا هم ايضا علي الارض، قبل ان يصرح وزير الاعلام والثقافة برغبة صدام.

كان الخميني يحملق في سقف الحجرة او في مترجمه او سكرتيره بشكل لافت للانتباه، فلم يكن لينعم علي وزير الاعلام او اي من المبعوثين من بغداد بنظرة واحدة. كان يجيب عن الاسئلة بنعم او بلا، او يترك مهمة الاجابة عنها لسكرتيره الخاص. ولم ينظر الخميني الي الرسل القادمين من بغداد الا بعد ان انتهي الحديث الذي لم يدع فيه الكمالي مجالا للشك في انه لا يوجد حل آخر سوي ان يغادر الخميني العراق في اقرب وقت ممكن.

محرك نفاث

«كان ينظر الينا الواحد تلو الآخر دون ان ينبس بكلمة، كان له حضور قوي. كنت اشعر كما لو كنت اقف في مهب محرك نفاث عندما كان يصوب عينيه نحوي. بدأت ارتعد»، ذلك ما رواه لي الكمالي فيما بعد مضيفا: «كان لدينا جميعا الشعور نفسه عندما خرجنا من عنده».

كان شهر رمضان المعظم قد بدأ عندما بدأ آية الله واتباعه يتحركون من النجف الي البصرة ليعبروا من هناك الحدود الي الكويت. غير انه لم يسمح له بالعبور في اول محاولة بسبب بعض المشاكل المتعلقة بالتأشيرة الخاصة به، فاضطر الي الرجوع وقضاء الليل في فندق قريب من مطار المدينة.

كان مدير الصحة في المحافظة آنذاك، نزار شاهبندر، عضوا في لجنة مهمتها الاشراف علي كل شيء يخص فترة اقامة الخميني والاعتناء به. «كان الخميني غاضبا وثائرا بشكل جنوني»، ذلك ما قاله لي شاهبندر فيما بعد. لم يكن يرغب في التحدث مع احد، كما امتنع عن تناول وجبة الافطار في الفندق. لم يتناول الخميني شيئا من الطعام الا عندما عبر الحدود الي الكويت في مساء اليوم التالي، حيث اراد البقاء هناك الي ان يستقل الطائرة الي فرنسا.

ربما لم يكن غريبا علي صدام - الذي كانت تُنقل اليه بالطبع كل التفاصيل ــ ان يتوقع وفق تصوراته البدوية ان الخميني سوف ينتقم لنفسه ان آجلا او عاجلا فكان لابد لصدام اذن من ان يسبقه.

تحول مستشفي الواسطي الي مستشفي عسكري صرف فور نشوب الحرب. ولاننا كنا متخصصين في جراحة التجميل واعادة التاهيل، فان اصعب حالات الجرحي واكثرها تعقيدا كانت ترسل من الجبهة الينا، ويتضح من ملفات المرضي اننا قد قمنا بأكثر من اثنتين وعشرين الف عملية جراحية في هذا المستشفي في اثناء الاعوام الثمانية التي استمرت فيها الحرب. اما حجم الموت والمعاناة فانه لا يمكن لأحد ان يقدر ابعاده الا اذا كان هو نفسه قد شهد مثل هذه الماساة الانسانية العظيمة لفترة طويلة.

ما زالت بعض الحالات المأساوية تسلبني في الليل نومي، مثل حالة الملازم ذي الواحد والعشرين ربيعا الذي اتي الينا في خريف عام 1982 من الجبهة مباشرة الي مستشفي الواسطي، ومعه خمسة عشر آخرون من الضباط والجنود المصابين. كانوا قد احتموا تحت شاحنة كبيرة عندما تعرضوا لوابل من قصف المدفعية الايرانية المكثف، غير ان الشاحنة قد قصفت علي الفور. بترت شظية كبيرة الذراع اليمني للملازم تماما.

كان يعطي انطباعا بانه اصغر من سنه كثيرا، وكان يبدو انه يتوق إلي حياة عادية مثل اي شاب في عمره، غير ان ذراعه التي ضاعت سلبته كل امل في المستقبل.

حاولت ان اسرّي عنه.

«لقد كنتَ شجاعا وقدمت كثيرا لبلادنا. ستحصل الآن علي وسام تقديرا لشجاعتك، ويمكنك ان تحمله طيلة حياتك في فخر»، هذا ما قلته.

نظر الي عيني ثم اعقبها بنظرة الي ذراعي اليمني. وهنا لم يعد في مقدور الملازم الشاب ان يمسك دموعه.

فهمتُ قصده.

كان الجيش العراقي قد تمكن في بداية الحرب من احراز بعض النجاحات، غير ان الايرانيين في خلال عام 1982 كانوا قد دحروا قوات صدام المهاجمة. وسعت دول عربية عديدة للتوصل الي وقف اطلاق النار، لكن الخميني الذي كان مزهوا بالانتصارات التي احرزها في معظم الجبهات قرر الا يوقف القتال الذي تحول الي حرب استنزاف كبدت الجانبين خسائر فادحة.

ومع الوقت تم استدعاء جميع الرجال الذين كانوا قادرين علي حمل السلاح، والذين كان يمكن الاستغناء عنهم في وظائفهم الاساسية، ففقدت الاسرة وراء الاخري عائلها، وعاش كثيرون في فقر مدقع.

تجنيد بالقوة

حكي لي احد اقربائي عن اسرة كانت قد انتقلت في اثناء الحرب من البصرة الي احدي الضواحي في الجنوب الشرقي من بغداد. كانت الاسرة تتكون من رجل وزوجته وطفل رضيع يبلغ من العمر ثلاثة اشهر، وما ان انتقلوا الي تلك الضاحية حتي كان مندوب حزب البعث هناك قد اتي اليهم وطلب من الرجل ان يسجل نفسه بأقصي سرعة ممكنة للمشاركة في الحرب مع قوات الجيش الشعبي.

«ارجوك، كن كريما وساعد زوجتي»، هكذا توسل الشاب الي الرجل قبل ان يذهب إلي الحرب، فهو لم يكن يعرف احدا في بغداد.

بعد ذلك بأسبوعين رأي الجيران زوجته تجلس علي السلم باكية، فلم يكن لديها ماء او اي شيء يؤكل في شقتها. كان الطفل قد فارق الحياة. ولم تجرؤ الام علي ان تغادر المنزل وتطلب المساعدة.

تولي الجيران دفن الطفل الرضيع واهتموا بالأم الشابة القادمة من البصرة. وبعد ذلك بشهر وصل نعش الزوج من الجبهة.

كان صدام يدرك ان عليه ان يخفف من المصير المر للحرب، فشرع يوزع السيارات علي اسر الجنود الذين سقطوا في الحرب.

حصلت كل اسرة علي سيارة جديدة ومبلغ عشرة آلاف دينار، وهو ما كان يعادل آنذاك ثلاثين الف دولار اميركي. وكان نادرا ان تُسلَّم السيارة ويُدفع مبلغ التعويض بلا مشاكل. ففي حال اذا ما كان المتوفي متزوجا، فقد كانت اللوائح تنص علي ان زوجته هي المستحقة، وهو الامر الذي كان والدا المتوفي واخوته نادرا ما يقبلونه. كانت هذه الخلافات كثيرا ما ينجم عنها الضرب واطلاق النيران والقتل اذا ما استعانت ارملة المتوفي بوالدها واخوتها وابناء اخواتها ليساعدوها!

كذلك فقد واحد من الممرضين في مستشفي الواسطي ولده في جبهة القتال. ما زلت اراه امامي. كان منهارا تماما علي الارض من شدة الحزن بحيث لا يمكنك مواساته. لم يمر سوي اسبوعين الا وكان يقود سيارة تويوتا كورونا جديدة وقد لطّخ ابواب السيارة بالدماء، فقد ذبح خروفا وسكب دماءه علي السيارة ليدفع عنها الحسد. وها هو ذا الاب يضحك الآن ملء شدقيه!

في بادئ الامر كانت توزع سيارات تويوتا كورونا يابانية الصنع. وعندما ارتفع عدد الضحايا، انخفض مستوي السيارات الي السيارة فولكس فاغن باسات التي كانت تصنع في البرازيل وتستورد من هناك. كانت السيارات تأتي الي باب المنزل، غير ان معظم الارامل والاسر لم تكن تستطيع قيادة السيارات.

وبالرغم من ذلك فقد كانت السيارات تستخدم علي الفور، فتصاعد عدد الحوادث بشكل جنوني، وساهم عدد ضحايا حوادث المرور في ارتفاع تلال القتلي. وقد سمعت ان ذلك كان احد الاسباب التي جعلت صدام يوقف مشروع «سيارة في مقابل الابن» في وسط الحرب.

تم ايضا استنفار ما عرف بالجيش الشعبي في بدايات الحرب المبكرة. كانت هذه الميليشيا يسيطر عليها حزب البعث، وكانت قد اسست في عام 1970 لتتولي التدريب العسكري الاساسي لكوادر الحزب، فمثلت بذلك ثقلا مضادا للجيش النظامي في حال تدبير ضباطه لمحاولة انقلاب.

معاقبة رافض التجنيد

في خريف عام 1981 طُلب من اعضاء حزب البعث في جميع ارجاء العراق ان يكونوا قدوة لغيرهم وان يتطوعوا للخدمة العسكرية في الجيش الشعبي. سري هذا الامر ايضا علي ممثلي الحزب البارزين، غير ان كثيرا منهم رفض تنفيذ الامر بدعوي انهم ليس بمقدورهم الذهاب الي الجبهة لاسباب مختلفة، صحية او شخصية علي حد سواء.

كان الدكتور هاشم جابر واحدا من هؤلاء. كان استاذا في طب الاسنان ورئيسا لجامعة بغداد، وكان يعاني منذ وقت طويل متاعب في الكلي وضغط الدم المرتفع. وكانت عيادته الخاصة تقع بجوار عيادة جراحة التجميل الخاصة بي، فكنا زملاء علي علاقة جيدة واصدقاء. وفي ديسمبر عام 1981 تلقي الخبر بان عليه ان يسجل اسمه للخدمة العسكرية في قاعة الخلد بجوار القصر الجمهوري مع اربعمائة وعشرين عضوا من اعضاء حزب البعث ذي النفوذ الكبير.

كان صدام رقيقا، وكان صوته حنونا عندما افتتح الاجتماع.

«في بادئ الامر اود ان ادعو كل هؤلاء الذين ليسوا في حالة صحية جيدة او الذين يشعرون بانهم منهكو القوي، او لديهم غير ذلك من الاعذار القهرية التي تمنعهم من الانضمام إلي صفوف الجيش الشعبي كغيرهم، ان يتفضلوا بالجلوس في هذه القاعة الي اليسار»، ذلك ما قاله صدام.

نفذ دكتور جابر ومعه مائتان وثلاثون من اعضاء حزب البعث ما طلب منهم. كان من بينهم عديد من نواب الوزراء واعضاء كثيرون في مجلس الشعب.

«هنا اعلن إقالتكم بلا سابق انذار. لا اريد ان اراكم مرة اخري في حزب البعث»، ذلك ما قاله صدام.

إلي الجبهة

وفي آخر الامر ارسل هؤلاء الاعضاء البالغ عددهم مائتين وثلاثين الي الجبهة.

كان من المقرر ان يعقد لقاء القمة لرؤساء حكومات دول عدم الانحياز في عام 1982 في بغداد. تكلفت الاستعدادات مبالغ طائلة، فقد امر صدام ببناء فندق جديد، وهو فندق الرشيد، للمشاركين في القمة من اكثر من مائة دولة. كما قام بشراء عدد كبير من السيارات المرسيدس الليموزين للتنقلات، وغير ذلك الكثير.

وبسبب الحرب والحالة الامنية غير المستقرة في بغداد، حيث كانت تتعرض المدينة بشكل مستمر للهجمات الايرانية بالقنابل والصواريخ، اجلت القمة لمدة عام آخر وتقرر انعقادها في العاصمة الهندية نيودلهي. فتفتق ذهن احد الخبثاء من معسكر الرئيس عن فكرة استخدام السيارات المرسيدس الفاخرة الجديدة كهدايا للاكفاء من المهندسين والمعماريين والاطباء والمعلمين والكتاب والممثلين والنحاتين وغيرهم من ممثلي الثقافة لمكافأتهم علي ما اسدوه من خدمات فائقة لوطنهم في اثناء الحرب التي كانت لا تزال مستمرة.

مرسيدس مكافأة

طُلب مني ان اتوجه إلي أحد قصور صدام لاستلم مكافأتي المتحركة علي عجلات، وذلك ليس بوصفي فنانا، وانما بوصفي طبيبا بعد ان قابلنا صدام، وكنا خمسة وعشرين طبيبا من جميع انحاء العراق، لتكريمنا بسبب معالجتنا للجرحي. ادهشني ذلك بعض الشيء لان السكرتير الخاص بصدام، أرشد ياسين، كان في الاعوام السابقة كثيرا ما يتصل بي تلفونيا او يأتي إليَّ ليخبرني كيف ان الرئيس معجب بإنتاجي الفني الذي لفت انتباهه في برامج التحقيقات التلفزيونية، او في المقالات النقدية في الصحف والمجلات.

سارق آثار

كان ياسين طيارا ولواء في السلاح الجوي، وكان هو نفسه مهتما اهتماما كبيرا بالفن والتحف، لكن هذا الاهتمام لم يكن مجردا تماما من الاغراض الشخصية. كان قد عزل من منصبه كسكرتير شخصي لصدام عندما نُشرت في الجرائد مقالات فحواها ان العديد من التحف العراقية النادرة التي يبلغ عمرها آلاف السنين قد سرقت وهُرِّبت خارج البلاد وبيعت بالملايين في السوق السوداء الدولية للآثار. كان اسم اللواء قد ذُكر في هذه الفضيحة التي انكرها اللواء ارشد عدة مرات، ولكن لأنه كان متزوجا من اخت صدام، نوال، فقد قدر له ان يبقي علي قيد الحياة، بعد عزله عن منصبه.

كنا زهاء خمسة وعشرين طبيبا ممن أُمروا بالذهاب الي قصر الرئاسة ليتسلم كلٌّ منا واحدة من السيارات الباقية كمكافأة لنا علي خدماتنا في الحرب. كان ذلك بعدما تقرر عدم انعقاد قمة دول عدم الانحياز لعام 1982 في بغداد. وقد اكد صدام اهمية الدور الذي قمنا به «بالنسبة إلي الجنود والضباط في الجبهة، وبالنسبة إلي أسرهم التي كان عليهم ان يتركوها ليحاربوا العدو.

ان الرجال من امثالكم هم الذين سيخلدون في تاريخ العراق، وليس رجال الاعمال واصحاب الملايين الذين لا يعنيهم سوي التربح».

ثم سلم علي كلٍّ منا وصافحنا باليد، كما اخذت لنا صورة جماعية بجانبه. وعندما وصل إليّ، توقف بعض الوقت امام اسمي.

قديم 06 Jul 2006, 12:26 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


سألني: «هل أنت بالمصادفة الفنان علاء بشير»؟

«شيء لا يعقل»، قالها صدام عندما اجبته انه انا. «لا تنصرف بعد ذلك لكي يمكننا التحدث سويا».

لوحات وتماثيل

بعدما انصرف بقية الاطباء، اخذ صدام يثني علي لوحاتي وتماثيلي ايما ثناء. لم يكن يعنيه في المقام الاول انني انا وزملائي في مستشفي الواسطي قد حققنا بعد اندلاع الحرب تقدما رائدا، وطورنا اساليب جديدة في مجال جراحة التجميل وجراحة اعادة التاهيل، وان ابحاثنا قد قُبلت ونشرت في الصحف العالمية البارزة.

«طالما قرأت ان اطباء في اوروبا كانوا في الوقت نفسه من مشاهير الكتاب والموسيقيين والمثّالين. وعلي ما يبدو فان لدينا الآن لأول مرة في تاريخ العراق جراحا فذا وفنانا عظيما في الوقت نفسه. انا سعيد وفخور ان يكون في بلادنا شخص مثلك». وبعد ذلك بثلاثة ايام اتصل بي احد العاملين في مكتب صدام واخبرني اني قد صرت عضوا في فريق الاطباء الخاص بالرئيس.

قديم 06 Jul 2006, 12:31 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


############## الحلقة الثانية: ##############


قتلوا وزير الصحة وهشموا جسده ونزعوا عينيه!

25 طبيباً كانوا يهتمون بصدام.. ويدفع قيمة استشاراتهم حتي لا يكون مديناً لأحد

مأساة الحرب مع إيران

عند التحاقي بفريق الأطباء الخاص بالرئيس، كان الفريق يتكون من عشرة من الأطباء المتخصصين الذين يتولون علاجه، هو وأفراد أسرته القريبين منه. وبالتدريج أصبحنا من عشرين إلي خمسة وعشرين طبيبا. كان صدام يهتم دائما اهتماما بالغا بأن يدفع قيمة الاستشارات والخدمات التي طلبها، إذ لم يكن يحب أن يكون مدينا لأحد بشيء. كان صدام يعبّر عن احترامه لي وتقديره في كل مناسبة ألتقيه فيها. كان يحميني من كل الذئاب المحيطة به، والذين كان ارتيابهم وعدم رضائهم عن أن احترامي لدي الرئيس يزداد يوما بعد يوم. كان ذلك له قيمة الذهب.

كان هناك كثيرون لم يواتهم الحظ مثلي، ففي أثناء الحرب كانت قوات الأمن والمخابرات تقتفي أثر من يعارض الرئيس ونظامه أو من تظن فيه ذلك. وكانت هذه الأعمال تزداد ضراوة يوما بعد يوم. كان فايق ولائق وصادق ثلاثة من أقربائي، وقد تجاوز كلٌّ منهم العشرين من عمره. أخذوا ذات ليلة واتهموا بأنهم من المتضامنين مع حزب الدعوة الإسلامي المحظـور. لم يكـن هنــاك حديـث عن محاكمة لهم أو لغيرهم من الآلاف المؤلفة من العراقيين الذين كانوا يوارون بعد إعدامهم في المقابر الجماعية.

الحفاظ علي السلطة

كان وزير الإعلام والثقافة، الكمالي، واحدا من قليلين للغاية علي قمة الجهاز الحاكم ممن كانوا يحاولون الحد من أعمال التطهير هذه. كان واحدا من مؤسسي حزب البعث، وكان عضوا في القيادة القطرية. في أحد اجتماعات المجلس تساءل الكمالي عما إذا كان من الصواب قانونيا أن تظل المخابرات مصرة علي ما تقترفه من أعمال اعتقال وتعذيب للأبرياء من آباء وإخوة المتهمين من المعارضة التي لم تتمكن من إلقاء القبض عليهم. ثم قال: «إن هذا من شأنه أن يضر بسمعة الحزب والحكومة». كان صدام ينظر إليه ولم يقل شيئا، وبعد انتهاء الاجتماع أخذ صدامٌ الكماليَّ جانبا.

«اسمع أيها الرفيق. إذا كنا نرغب حاليا ومستقبلا في الاحتفاظ بالسلطة في العراق، فيجب أن نحكّم العقل وليس العاطفة».

ولم يمر وقت طويل حتي جاء وزير جديد للإعلام والثقافة في العراق. أما الكمالي فقد ألقي به في السجن، وكان يعاني هزالاً شديداً بعد إطلاق سراحه بعد بضعة أشهر. وقبل وفاته بفترة وجيزة حكي لي الكمالي عما كان يدور في القيادة القطرية.

كانوا يتعقبون أناسا من جميع الطبقات ويقتلونهم دون تمييز، ذلك ما حدث للدكتور رياض إبراهيم أيضا. كان في رأيي أفضل وأذكي وزير صحة في العراق علي الإطلاق. كان واحدا من الأعضاء الأوائل في حزب البعث، وقد ألقي القبض عليه في عام 1958 بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس عبد الكريم قاسم في بغداد، حيث كان قد ساعد في إخفاء الأسلحة التي استخدمها صدام حسين والمتآمرون معه في محاولة الاغتيال. لكنه خرج من ذلك الأمر بعقوبة السجن فقط.

ولأن شأنه شأن كثيرين من الذين انضموا إلي حزب البعث، كان رياض رجلا مخلصا مستقيما. كان يؤمن بالأفكار الأساسية للحركة من تعاون بين الدول العربية وتقسيم عادل للأموال والثروات المعدنية. عرفته رجلا يهتم اهتماما حقيقيا بمصلحة الشعب العراقي، وقد منحه لقب الدكتوراه في الطب ـ الذي حصل عليه من إنكلترا ـ المقوماتُ التخصصية الضرورية التي بسببها تقلد منصب وزير الصحة.

الانتقاد ثمنه القتل

لكنه كان يحيا حياة خطرة. كان يسخر من غباء وعجز زملائه الوزراء، كما كان ينتقد هؤلاء الذين كانوا من الموافقين دائما في مجلس الشعب، ويتحدث عن الطرق الغريبة التي وصلوا بها إلي مناصبهم.

وفي يوم من أيام صيف عام 1982 طُلب مني أن أذهب إلي وزير الصحة رياض إبراهيم في الوزارة. لم أكن أعرف سبب استدعائي، لكني عندما دخلت عليه في مكتبه، قال لي إن اثنين من رجاله سوف يصطحباني عما قريب إلي رجل له مكانة مهمة جدا.

لم يصرح لي إبراهيم مَن يكون الرجل أو ما هو سبب المقابلة.

«لا تتردد في أن تقول رأيك عندما تقابله، فأنت غير مقيد بشيء»، ذلك ما أكده لي وزير الصحة.

أخذتني سيارة مرسيدس سوداء بزجاج غامق إلي بيت صغير واطئ في حي الجادرية. كان هناك من ينتظر قدومي. قُدم لي الشاي، وعلمت أن رئيس القسم المختص بسوريا في المخابرات هو الذي يرغب في إجراء هذا الاستجواب معي.

عملية اغتيال في دمشق

دخل علي الفور في الموضوع.

«هناك سوري يقيم الآن في بغداد ونود أن نعيده إلي دمشق لينفذ عملية اغتيال هناك. لكن السلطات السورية تعرفه جيدا. لذلك نرجوك أن تغير ملامح وجهه تماما».

شكرته علي ثقته الكبيرة في مهاراتي الجراحية، ولكني رفضت معتذرا.

«ليس بمقدوري أن أنفذ هذه الرغبة، لأنها ضد مبادئي الشخصية وضد تصوراتي عن أخلاق المهنة».

أجاب: «حسنا. فلتنس هذا اللقاء ولا تنبس بكلمة عنه لمخلوق أبدا».

في صباح اليوم التالي توجهت إلي رياض إبراهيم وحكيت له عن هذا المطلب.

«هل كنت تعلم بما سيطلبونه مني»؟

«نعم»، أجاب رياض مضيفا: «وقد أوضحت لهم أنك لن تقوم بشيء من هذا القبيل أبدا. لذلك فقد قلت لك بالأمس علي سبيل الاحتياط أنك حر في التصرف كما يحلو لك».

كان في مقدورنا أن نتحدث بصراحة عن كل هذه المواضيع في مكتب رياض إبراهيم. أما عند بقية الوزراء فقد كان المعتاد تجنب الخوض في أحاديث تمس الدولة وأمنها.

تزوير شهادة

لا أعرف مَن مِن ذوي النفوذ العالي لم يعد يرغب في نهاية المطاف في بقاء رياض إبراهيم. فقبل أن يعزل عن منصبه في عام 1982، كان قد روي لي أن هيئة أركان الرئيس ترغب في إرسال طبيب بيطري إلي الخارج ليتخصص في الأساليب الوقائية في حالات التسمم. كان الطبيب البيطري قد حصل علي منحة في معهد طبي في الولايات المتحدة الأميركية، وما ينقصه الآن هو فقط أوراق من وزارة الصحة تشهد بأنه طبيب بشري وليس طبيبا بيطريا.

ورفض الدكتور إبراهيم ذلك.

«ستفقد وزارة الصحة للأبد مصداقيتها إذا وافقنا علي شيء من هذا القبيل»، ذلك ما قاله الوزير وهو في ثورة عارمة عندما اتصل به أحد العاملين في القصر الجمهوري، وسأله لماذا يستغرق الأمر وقتا طويلا حتي يجعلوا من الطبيب البيطري طبيبا بشريا؟!

وسبق السيف العذل بسرعة فاقت تصورات رياض!

وجهت له فجأة تهمة تحمل المسؤولية عن سلسلة من حالات الوفاة حُقن فيها المرضي في الوريد بكميات من كلوريد الكالسيوم عالية التركيز. وعُزل إبراهيم عن منصبه، وشكلت لجنة للتحقيق. وبعد ذلك بعدة أسابيع قُبض عليه وألقي به في السجن.

بلا حراك!

وقد زرته في داره قبل اعتقاله. كان مندهشا من حرسه الشخصي الذين كانوا لا يزالون يحرسون منزله، فقد كانوا عادة ما يسرعون إليه ليفتحوا له باب الجراج عندما كان يريد الخروج بسيارته الرسمية قبل عزله. وها هم الآن ساكنون في أكشاك حراستهم بلا حراك مثل الأصنام.

ثم قال لي: «لقد كنت أحضر إليهم الطعام بنفسي كل ليلة».

أجبته إنه ليس من المفروض أن يدهشه شيء هكذا، «فهؤلاء الناس علي هذه الشاكلة».

ضحك رياض إبراهيم. وبعدها بعدة أسابيع اتهم بقضية الدواء وسجن.

وقد برأت لجنة التحقيق الوزير من كل التهم المنسوبة إليه، فقد اتضح أن صلاحية كلوريد الكالسيوم المصنوع في شركة أدوية فرنسية لم تكن قد انتهت، لكن نسبة تركيز كلوريد الكالسيوم في المحلول كانت أعلي من النسبة المعتادة، ولم يعرف العاملون في المستشفي أن المحلول كان يجب أن يخفف قبل أن يأخذه المريض كما تنص علي ذلك نشرة التعليمات.

لكن نتيجة التحقيق لم تجدِ شيئا. فقد قُتل إبراهيم بعد ستة أسابيع من بقائه في السجن. كنت قد زرت زوجته قبل أن يقتله النظام بيومين للاستفسار عنه، فقالت إنها استلمت رسالة كتبها زوجها علي قصاصة من الورق واستطاع أن يهربها من السجن. كان مكتوبا فيها أنه سعيد لأنه سيري زوجته وأولاده مرة أخري بعد أن ثبت أن الاتهامات الموجهة إليه لا أساس لها من الصحة. وأضاف أن الرئيس سيطلق سراحه في اليوم التالي فور أن يتسلم تقرير اللجنة ويقرأه.

قديم 06 Jul 2006, 12:33 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


نزع العينين

تولي أخوه أمر الجنازة مع الدكتور غازي الهبش، وهو من أنبل الأطباء الذين عرفتهم، والذي أخبرني بأن فك الدكتور رياض إبراهيم كان مهشما، وأن جسمه كانت تغطيه البقع الزرقاء. كما روي لي أن النيران قد أطلقت عليه من مكان قريب جدا، فأصابته رصاصة في رأسه، وفي منطقة الحوض وفي فخذه. كما انُتزعت عيناه.

كان مستشفي ابن الهيثم في بغداد يتلقي دائما مددا طازجا من ضحايا الإعدامات، وقد أنقذ قسم العيون في المستشفي كثيرا من المرضي المصابين في قرنياتهم من أن يفقدوا نور أعينهم عن طريق استبدالها بقرنية تم التبرع بها!

في بغداد كانت هناك كثير من الاشاعات حول من قام بقتل رياض إبراهيم. كانت أكثر الاشاعات خيالية تلك التي تقول ان صدام هو الذي أطلق عليه النيران بنفسه بعد أن طلب منه في أحد الاجتماعات الحكومية أن يذهب معه إلي الدهليز للحظة. لكن من المستبعد أن يكون رياض إبراهيم قد اشترك في اجتماع كهذا، لأنه كان قد عزل عن منصبه كوزير للصحة قبل مقتله بعدة أسابيع.

كانت هناك اشاعة أخري تقول ان برزان التكريتي، وهو الأخ غير الشقيق لصدام، هو الذي قتل رياض إبراهيم. كان برزان يتقلد آنذاك منصب رئيس المخابرات عندما قتل رياض.

في عام 1985 أتي إليّ برزان في مستشفي الواسطي لأجري له عملية بسيطة، وبعد ذلك تحدثنا سويا لبعض الوقت. أشرت إلي الأجهزة الحديثة في غرفة العمليات. قلت إن الفضل في حصولي علي هذه الأجهزة يرجع إلي الدكتور إبراهيم.

أجاب برزان: «كان إعدامه خطأ فادحا وجريمة وخسارة كبيرة للحزب والعراق». لكن أخا صدام غير الشقيق لم يكن يرغب في الحديث أكثر من ذلك عن هذه القضية. وظل الأمر كذلك في جميع أحاديثنا الطويلة التي جمعتنا بعد ذلك.

لم يكن الدكتور إبراهيم الشخص الوحيد من بين زملائي الذي دفع حياته ثمنا لصراحته. فقد صُفي كلٌّ من زميليَّ الماهرين الدكتور هشام السلمان، والدكتور إسماعيل التاتار، حيث لم يكن لدي كل منهما القدرة علي الإمساك بلسانه.

كان التاتار طبيب أمراض جلدية، وكان واحدا من الفريق الطبي الخاص بالرئيس. أما السلمان فقد كان واحدا من أفضل أطباء الأطفال في العراق.

نكات بريئة

وفي أحد الاحتفالات التي كان يعمها جو من الفرح والمرح، ألقي الطبيبان بعض النكات البريئة التي لا تخلو مع ذلك من إيحاءات خادشة للحياء العام عن صدام حسين، وكانت عن تطبيق قواعد جديدة أكثر صرامة لمكافحة الإيدز. كان كل منهما معروفا بحبه للدعابة دون تحفظ، لكنهما لم يعرفا أن واحدا من المشاركين في الاحتفال كان ممن يتعاونون بشكل واضح مع رجال الأمن، حيث سلط كاميرا الفيديو الخاصة به عليهما خلسة.

أحضر التسـجيل إلي الرئيـس الـذي أمر علي الفور بإعدام كلا الطبيبين لأنهما شهرا به.

لا للتدوين

اعتدت علي تدوين كثير من الأحاديث التي كنت أجريها مع الضحايا من الشباب الذين كانوا يأتوننا من الجبهة. لكنني أدركت مع مرور الوقت أنني ألعب بالنار، فقمت بإحراق جميع المذكرات قبيل نهاية الحرب حتي لا أدخل في مغامرة لا داعي لها، فسقوط هذه الروايات في أيدي المخابرات ومخبري الشرطة السرية الذين لا حصر لهم كان سيعني الموت المحقق.

فقط عندما كانت الوفود الرسمية بصحبة مرافقيها من الصحافيين تأتي إلي مستشفي الواسطي لمنح المرضي جوائز لشجاعتهم، كان المرضي يمتلئون بالعزيمة القتالية، والرغبة العارمة في العودة إلي الجبهة ليقاتلوا الإيرانيين من جديد. وفيما عدا ذلك كانت الروح المعنوية للمرضي منخفضة للغاية.

وعندما كان الجنود والضباط ينفردون بي، كانوا يتحدثون بصراحة وباطمئنان، فقد كانت أهوال المعارك بعيدة كل البعد عن المستشفي، وكانوا علي ثقة بأن أحاديثنا ستخضع لواجب الصمت تجاه أسرار المرضي.

كانت أغلبيتهم الساحقة ضد الحرب، فلم يكن في مقدورهم تفهم السبب في أنهم يقاتلون مسلمين مثلهم.

هدف.. واحد

في عام 1983 قمت بإجراء عملية جراحية لمصور كنت أعرفه جيدا. كانت قد أصابته رصاصة في يده اليمني، وبعد أن تماثل للشفاء أرسل إلي الجبهة ثانية. في صيف عام 1985 اشترك في واحدة من أكثر المعارك دموية في الأراضي الإيرانية، ليس بعيدا عن نفط خانة. اندلعت المعارك في منتصف الليل، وتكبدت كتيبة المصورين خسائر فادحة، ولكن هذا المصور تمكن من الاختباء هو وجندي آخر في أحد الخنادق، حيث رقدا في صمت وسكون آملين ألا يُكتشف وجودهما.

وسرعان ما قفز جنديان آخران في الخندق، ليتلوهما ثلاثة آخرون. كان الظلام دامسا حتي أنه لم يكن في مقدور أحدهم أن يري يديه هو نفسه. ولم يجرؤ أحدهم علي الهمس مخافة أن يسمعهم جنود الأعداء ويكتشفوا مكانهم.

وعندما طلع الصباح تبين أن اثنين ممن اختبآ معهم في الخندق كانا من الجنود الإيرانيين، وأن الثلاثة الآخرين كانوا عراقيين.

«نحن جميعنا مسلمون، ولا يجوز أن يقتل كلٌّ منا الآخر»، كان ذلك ما قاله الإيرانيون.

هرب الإيرانيون، وكذا فعل العراقيون.

معرض فني

في فبراير من عام 1984 أقمت في الوقت نفسه معرضا فنيا في غاليري الرواق في شارع سعدون في وسط بغداد، حيث تناولته الصحف والبرامج التلفزيونية بالعرض تفصيليا.

وذات يوم سألني أحد المرضي أثناء الكشف عليه في مستشفي الواسطي، وكان يدعي «كريم»، يسكن مدينة صدام التي تسمي اليوم مدينة الصدر، عما إذا كان يمكنه الحصول علي نسخة من كتالوغ المعرض مذيلا بتوقيعي. اندهشت، فلقد كان غريبا أن يفكر أحد الجرحي العائدين من الجبهة في الفن، ناهيك عن الفن الحديث. لكن كريما كان قد قرأ المقالة الخاصة بالمعرض في الجريدة، وشاهد صورة لإحدي لوحاتي: حجرة خالية بها نافذة صغيرة، يتخللها شعاع خافت من ضوء الشمس سقط علي رأس رجل مغلف بقطعة من القماش، ومعلق في السقف. وفي نهاية الحجرة يوجد باب يقود إلي حجرة جانبية، ومنها إلي حجرة أخري، وهكذا دواليك حتي يقود الباب الأخير إلي مشهد طبيعي خلاب، سماؤه تامة الصفاء

كان كريـم من أبطال الحرب، حيث حصل تقديرا لعملياته في أرض العدو علي ما لا يقل عن خمسة أنواط للشجاعة. كان قد أصيب بطلق ناري في ساقه اليمني، وكان عليَّ أن أنقل بعض الأنسجة الجلدية من فخذه، وبعض العضلات من ظهره، لأسد بها الفجوات في النسيج المتهتك والناجمة عن الطلق الناري

أطلق النار علي نفسه

حققت العملية نجاحا أكبر من المتوقع. وبعد أن ظل كريم راقدا في المستشفي لمدة ثلاثة أسابيع تمكن من السير مرة أخري، وخرج من المستشفي. لذلك تملكتني الدهشة عندما وجدته يترقب ظهوري أمام المدخل الرئيسي لمستشفي الواسطي بعدها بستة أسابيع.

سألته: «هل عاودتك المتاعب في ساقك»؟

أجاب كريم: «لا، لكنني أود أن تقرأ هذا».

أعطاني ورقة كتب عليها قصيدة يمتدحني فيها كطبيب وفنان. كان مكتوبا عليها في أسفلها أنه يريد الاعتراف بشيء ما، ويريد أن يتحدث معي علي انفراد.

وافقت ودعوته لدخول مكتبي.

قال كريم: «منذ رأيت لوحتك لم أذق للراحة طعما. لقد أعياني الشعور بالذنب، وتأنيب الضمير. إن النتائج المترتبة علي ما سأقصه عليك الآن لم تعد تهمني في شيء».

أجبته إن ما سوف يعترف به لن يطلع عليه سوي الله وسواي.

قال كريم: «لقد أطلقت النار بنفسي علي ساقي».

في نهاية الأمر لم يستطع التحمل أكثر من ذلك.

لم يكن يخشي مواصلة القتال، فقد كان شجاعا مقداما. أفضل دليل علي ذلك هو أنواط الشجاعة التي حصل عليها. لكنه كان يشعر أن إرادته قد خانته تماما، فلم يعد يتحمل فكرة مواصلة القتال أكثر من ذلك. كان يرقد في الخندق ويصارع نفسه، في حين كانت الوحدة التابع لها تعد لإجراء توغل جديد في المواقع الإيرانية التي كانت تبعد بضع مئات من الأمتار.

وبعدما صدرت الأوامر وبدأ زملاؤه الهجوم وشعر فجأة أنه لم يعد يستطيع التحمل.

«صعدت إلي ما يزيد علي حافة الخندق، وأطلقت أنا نفسي الرصاص من بندقيتي الكلاشينكوف علي ساقي. لا بد أن عدد الطلقات كان قد تعدي عشر طلقات».

رد فعل إنساني

فقد كريم الوعي، ونُقل إلي مستشفي عسكري في مدينة الكوت في منتصف الطريق بين البصرة وبغداد، حيث عاد إلي وعيه مرة أخري. وهناك نُقل إلي مستشفي الواسطي بصفته بطل حرب.

قال لي: «يمكنك أن تروي ما حكيته لك للسلطات».

بدا عليه أنه باعترافه هذا قد حطم كل جسور الخوف بداخله.

قلت له إن هذه التجربة التي عاشها ما هي إلا رد فعل إنساني طبيعي، وأضفت أنه أمر جيد أن يدرك بنفسه أنه ربما كان عليه أن يتصرف بشكل آخر.

«لكن هذا الأمر الذي تحدثنا عنه سيبقي بيننا نحن الاثنين وبين الله. لن يعلم به شخص آخر. لا تخش شيئا»، كان ذلك ما وعدته به.

وفي يوليو من عام 1984 وصل إلينا جاويش مصاب بحروق في المنطقة القطنية. لم يخطر علي بال أحد في المستشفي الميداني البدائي الذي وصل إليه في بادئ الأمر أن يديره في السرير علي جنبه الآخر، إذ لم يكن بمقدوره الحركة حيث أصابته رصاصة في النخاع بالشلل في المنطقة القطنية. كان مسقط رأسه محافظة الديوانية في وسط العراق، وكان يبلغ من العمر أربعة وعشرين عاما. كان قوي البنية، مفتول العضلات، وكان أحد أفراد سرية العمليات الخاصة التابعة لواحدة من وحدات القوات الخاصة في الجيش العراقي.

مهمة خطيرة

طلبت منه أن يقص عليَّ ما حدث، وعلمت أنه كان وأربعة من الجنود الآخرين من فريق الاستطلاع التابع للقوات الخاصة في قارب مطاطي في واحدة من أكبر مناطق الأهوار في جنوب العراق. كانت مهمة شديدة الخطورة. وكان واحد من الأربعة صديقا حميما له، حيث كانا من القرية نفسها، وكانا يجلسان في الفصل نفسه في المدرسة الابتدائية، وفي المدرسة الثانوية، كما تقدما سويا في الوقت نفسه لأداء الخدمة العسكرية، وقد اجتاز كلٌّ منهما اختبارات القبول التي تتطلب لياقة بدنية عالية، وقُبلا في وحدة العمليات الخاصة التي كانت تحظي بمكانة رفيعة. وفي نهاية المطاف انتهي بهما الأمر إلي السرية نفسها التي تحركت بعد منتصف الليل بقليل لتنفيذ مهمتها الخطرة بالقرب من خطوط العدو في منطقة الأهوار.

شــرب.. الــدم

تمكنوا لفترة طويلة من الاختباء في القصب الكثيف، ولكن بعد عدة ساعات اكتُشف موقعهم وأطلقت عليهم النيران. كان هذا الجاويش أول من أصيب، وفقد الوعي علي أثر ذلك. وعندما أفاق، اكتشف أنه ليس بمقدوره تحريك ساقيه. وفي أثناء ذلك كان الصبح قد بزغ، وكان القارب المطاطي يرقد في القاع علي عمق نصف المتر. أما الأربعة الباقون الذين كانوا معه في القارب فقد طفت جثثهم في مياه الهور بين سيقان القصب الكثيف، وكان صديق عمره يبعد عنه بمقدار ذراع.

ارتفعت الشمس في كبد السماء وارتفعت معها درجة الحرارة. كانت درجة الحرارة علي الأقل خمسين درجة مئوية في الظل، إذا كان هناك ظل. نفد ماء الشرب الذي كان مع الجاويش. وكانت قربة المياه الخاصة بصديقه التي وصل إليها بعد عناء قد ثقبتها رصاصتان. كانت فارغة. إذا كان يريد النجاة فعليه أن يشرب من ماء الهور الذي كان قد اصطبغ باللون الأحمر، لون دماء صاحبه. في النهاية أصبح لا يقدر علي تحمل العطش، ولم يعد يستطيع أن يسيطر علي نفسه. شرب، وكان يحاول في أثناء ذلك يائسا بما تبقي عنده من قدر يسير من القوة أن يدفع زميله، ودمه، بعيدا عنه.

«لم يجهزنا أحد لمثل هذا عندما أنهينا تدريبنا في القوات الخاصة، ذلك ما قاله لي الجاويش. الزمن وحده أجبرنا علي شرب دماء أصدقائنا.

كان سلوك الجاويش حريا بالإعجاب في مجالات عديدة. كان قد تزوج قبيل الحرب ابنة عمه التي تبلغ من العمر ثمانية عشر ربيعا. كانت رائعة الجمال. ولم يكن لهما أولاد بعد. عندما جاء والده ليزوره، طلب الجاويش منه أن يطلب من زوجته رفع دعوي للطلاق.

إذا لم تقم هي بذلك، فسأفعله أنا

لم يكن هذا يعني أنه لم يعد يحبها، بل علي العكس، فقد كان يحلم طيلة الوقت بها. لكنه لم يكن يرغب في أن تزوره.

«لا يمكن أن أجعلها تخدمني طيلة حياتي. فلو فعلت ذلك، لكان جرما مني حقا».

كان مثل هذا التفكير غير مسبوق في المجتمع القبلي في وسط العراق الذي نشأ فيه هذا الجاويش، فما كان واحد من المرضي الآخرين الذين لقي الآلاف منهم المصير نفسه ليقول شيئا من هذا القبيل، إذ كانت مثل هذه الأفكار غريبة علي المجتمع القبلي التقليدي في وسط العراق. لقد كان شابا نبيلا وشهما واستثنائيا حقا!

قديم 06 Jul 2006, 12:36 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


############## الحلقة الثالثة: ##############


صدام لم يكن يهمه عدد القتلي إنما دحر الأعداء

كان صدام يتطير بمجرد أن يشاهد شيئا يعتبره نذير شؤم.. فيعود

حرب بلا نصر

كان صدام يتوجه من حين لآخر إلي الجبهة، ولكن هذا لم يكن أبدا يعني أنه بالضرورة سيصل إلي هناك، فقد كان صدام ـ شأنه شأن أقاربه القريبين ـ متطيرا، فإذا رأي قطة سوداء فجأة في الطريق فإن ذلك من شأنه أن يجعله يغير مسار موكب السيارات الخاص بـه ويأمـر بالعودة إلي بغداد. كانت حتي رؤية كيس بلاستيك يهفهف في وسط الشارع تُعد نذير شؤم بالنسبة لصدام، وتجعله يعود دون أن ينجز ما كان يعتزمه.

تبديل أمني

كان يبدل السيارة التي يستقلها باستمرار، فكان أحيانا يجلس في آخر سيارة، ثم يعود ليجلس في سيارة في منتصف الموكب. وكان يحدث أيضا أن تصطحبه طائرة مروحية من منتصف الطريق وتطير به إلي هدفه.

كان لا يقضي وقتا طويلا في مكان واحد في الجبهة. وقد حدث أن قُصف ذات ليلة مركزين للقيادة بالقنابل، كان صدام قد زارهما الواحد تلو الآخر. حدث ذلك فور مغادرة صدام، فإن الحذر الشديد والشك كانا حليفيه طيلة حياته.

كان صدام عادة ما يأخذ معه صباح مرزا في زياراته لبعض المواقع علي الجبهة. كان مرزا رئيس الحرس الشخصي لصدام، وكان علي سبيل التغيير يأخذ استراحة لبعض الوقت من واجبه في هذه الزيارات بأن يشارك في واحدة من فرق الإعدام التي كانت تطلق الرصاص علي الجنود الذين تجرأوا علي الانسحاب من تلقاء أنفسهم، أو علي الفرار إلي صفوف العدو.

كان صدام يزور من الحين الي الآخر المستشفيات العسكرية والجنود المصابين، لكنه لم يكن يهتم كثيرا بالأطباء الذين كانوا يصارعون ليلا ونهارا، وعاما بعد عام، من أجل حياة وأجساد ضحايا الحرب. كان ينظر إلي مهنة الطبيب باستعلاء، شأنه شأن إخوته الثلاثة وطبان وسبعاوي وبرزان.

عقدة من الأطباء

واعتقد أن الاستياء الذي كان الرئيس يشعر به تجاه الأطباء له ارتباط وثيق بما كان من بعض الأطباء الذين رفضوا مساعدة صدام بعد محاولته الفاشلة لاغتيال عبدالكريم قاسم في عام 1959، مما اضطره إلي أن يستخرج الرصاصة التي أصابته في بطن ساقه بنفسه بموسي حلاقة.

منافع شخصية

«إن الأطباء ينظرون دائما إلي مصلحتهم الشخصية، فهم في صراع دائم أيهم يمكنه أن يحقق أكبر قدر ممكن من الثراء»، ذلك ما قاله لي الرئيس في أحد الأحاديث الودية التي دارت بيننا في بداية تعارفنا.

«إنهم غير صادقين في معظم الأحيان»، قالها صدام مضيفا:«عندما يحاولون أن يصبحوا أصدقاءك، فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لأنهم يأملون في منفعة شخصية. خاصة إذا كنت شخصا ذا نفوذ وسلطة فإنهم يستغلون صداقتك في التربح».

ذات يوم وصل صدام في الصباح المبكر إلي مستشفي الكرخ في بغداد. كان ذلك قبل تغيير نوبة الأطباء بربع ساعة، وطلب من الطبيب الذي يعمل في نوبة الليل أن يعطيه قائمة بأسماء الأطباء الذين سيحلون محله. تلقي جميع الأطباء الذين وصلوا متأخرين، حتي إذا كان هذا التأخير لمدة خمس دقائق فقط، الأمر بأنه لا يرغب في رؤيتهم في العام التالي في المستشفي. حدث ذلك الأمر لستة أو سبعة من زملائي.

كان لدي معظمهم عذر قهري منعهم من الوصول في موعدهم، فقد كان لديهم ما يقومون به في مستشفيات أخري في بغداد. كما كانت القائمة التي أعطاها طبيب الخدمة الليلية لصدام غير صحيحة. فكتبوا خطابا للرئيس وشرحوا فيه ما حدث من لبس، لكن من دون جدوي. هكذا كان الحال مع صدام، إذا اتخذ قرارا، فإنه لا يرجع فيه، ولا يعنيه إذا كان محقا أو مخطئا في هذا القرار.

أستاذ أم رئيس؟

ربما لن ينسي أحد الأطباء في مستشفي الكرخ هذا الصباح طيلة حياته. فقد تقدم نحو الرئيس ومعطفه غير مزرر وسماعته تتأرجح حول رقبته هنا وهناك. وإذا كان هناك شيء لا يتحمله صدام، فكان ذلك هو السلوك غير اللائق في حضوره. لكن حدث ما هو أسوأ من ذلك. فقد خاطب الطبيب الشاب الرئيس بلقب «أستاذ».

«هل خاطبتني بـ «أستاذ» أم بالرئيس»؟، سأله صدام مستنكرا.

«أنـا آسف يا سيدي الرئيس. فقد اعتقدت أنني استخدمت صيغة الخطاب المناسبة».

أخذ الطبيب الشاب في عصر ذلك اليوم، وألقي به في السجن لمدة ستة أشهر.

في منتصف الحرب التي استمرت ثمانية أعوام قتلت عروس يافعة في ليلة الزفاف في هجوم إيراني بالقنابل علي مدينة مندلي في شرق العراق. كانت ساقاها وذراعاها مبتورة عندما عثر عليها هي والعريس الذي لقي حتفه أيضا.

مسابقة المأساة

أقام صدام مسابقة، دعي فيها فنانو العراق للتعبير عن هذه المأساة، علي أن يكون التصوير تمثيليا تماما. كان عليهم أن يصوروا السيدة الشابة في ملابس الزفاف من دون ذراعين أو ساقين، حتي يمكن للأجيال القادمة في جميع العصور أن تعي دون صعوبة هذه الشهادة الفريدة علي وحشية الإيرانيين.

كان يظهر كل ليلة في التلفزيون العراقي بعض الفنانين الذين كانوا يقدمون لصدام أعمالهم المشاركة في المسابقة، غير أن الرئيس لم يكن راضيا عن أي منها، وهو ما أظهره علي شاشة التلفزيون. لكنه اقتنع بعمل قدمه النحات سهيل الهنداوي.

في وقت المسابقة نفسه كنت أقيم معرضا فنيا جديدا في غاليري الرواق. كنت قد أطلقت علي إحدي اللوحات اسم «الشََّهَادة». كانت تظهر في اللوحة صحراء وسماء. كانت هناك قدمان مبتورتان عند الكاحلين تبرزان من الرمال. كان هناك نبات به بعض الأوراق ينمو بينهما. ورسمت أمام السماء يدين مبتورتين أيضا. كانت الأصابع بعيدة عن بعضها. عندما يتأمل المرء اللوحة، يبدو الأمر كما لو كان هناك إنسان يقف رافعا ذراعيه نحو السماء في الصحراء، لكنه بلا جسد.

صهره سارق آثار

زار المعرض اللواء أرشد ياسين الذي لم يكن قد تعرض بعد لمشاكل بسبب ولعه بالآثار العراقية القديمة، ولذلك كان لا يزال يحتفظ بمنصب السكرتير الخاص لصهره. ويبدو أن ما رآه هناك قد أعجبه أيما إعجاب، فقد اتصل بي بعد ذلك بيومين وطلب مني أن أحضر اللوحة إلي صدام الذي يود رؤيتي.

كان الرئيس لتوه في نقاش مع بعض اللواءات العائدين من الجبهة. اضطررت أن أنتظر لمدة ساعة في مكتب ياسين حتي جاء صدام. قال إنه يؤسفه أنني انتظرته، ثم وقف طويلا أمام «الشَّهَادة».

«إنه لعمل فني قوي ومعبر»، قال ذلك صدام مضيفا: «لقد تركت الجسم واحتفظت بما فقدته العروس الشابة».

أردت أن أعترض قائلا إنني لم أكن أستدعيها في ذهني عندما رسمت اللوحة قبل المسابقة بفترة طويلة، لكنه لم يتح لي فرصة لذلك.

قال صدام: «إنها واضحة تماما ولا تحتاج إلي توضيح منك».

طلبت بالرغم من ذلك أن يسمح لي بأن أقول شيئا عن الحرب والشهداء، وعندما أومأ، قلت إن هذا الذي ربما نراه، ليس بالضرورة مطابقا للواقع. وما يقوله الناس، ليس دائما حقيقيا.

«إن أهم شيء أن نفهم ما لا نراه أو لا نسمعه».

لم أجرؤ علي مواصلة محاولتي في أن أوضح لصدام أن المعلومات التي تلقاها من اللواءات والمقربين من أعوانه عن مجري الحرب ليس لها علاقة بالواقع الذي أراه كل يوم في المستشفي العسكري.

قلت: «إن الشهيد هو الذي يصمد من أجل شيء يؤمن به، وهو الذي يضحي من أجل الآخرين. لذلك يَسمون عن الأرض إلي السماء».

صمت صدام. شعرت أنه لا ينصت إليّ.

هدف واحد

عندما أردت الذهاب، قال لي: «ليس لدينا الآن وقت في منتصف الحرب لأن نحصي قتلانا وجرحانا. يجب أن نركز علي هدف واحد لا غير، وهو أن ندحر الأعداء وأن نخرج منتصرين من المعركة. وعندما نصل إلي هذا الهدف ونحقق النصر، يكون بمقدورنا أن نحصي الخسائر التي تكبدناها ونرعي الجرحي بالأسلوب الأمثل».

ثم عاد مرة أخري إلي اللواءات.

عندما اصطحبني اللواء ياسين إلي الخارج، أسرع خلفي واحد من حرس صدام الشخصي ومعه علبة صغيرة. كانت هدية لي من الرئيس، ساعة يد رخيصة. كانت صورة صدام علي ميناء الساعة.

احتفظ لنفسه بـ «الشهادة».

لكن علي ما يبدو كان يتم إحصاء من سقطوا في الحرب.

قديم 06 Jul 2006, 12:37 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


جندي من دون أذن

في أثناء المعارك الضارية التي دارت في منطقة الحدود في أواخر عام 1983، وبدايات عام 1984 بالقرب من المدينة الإيرانية البسيتين، أحضر جندي إلي مستشفي الواسطي وأذنه اليسري مبتورة تماما. سألته كيف حدث هذا. أجاب أن الضباط والجنود في وحدته كانوا قد وقعوا في كمين، حيث حاصرهم العدو وحصد أرواحهم حصدا. وأضاف إنه قد تم إعدام كثير من الأسري العراقيين في تلك المعركة.

«حتي عنــدما كنـا نرفع أيدينا ونصيح بأننا نريد الاستسلام، كان الإيرانيون لا يتوقفون عن القصف».

كان الظلام دامسا، فقد كان ذلك في الثالثة فجرا. تظاهر الجندي بأنه قد أصيب وزحف تحت اثنين من زملائه الموتي. في أعقاب ذلك بدأ الجنود الإيرانيون في الانسحاب تحسبا لهجوم عراقي مضاد. غير أن أحدهم بقي، كان يسير بين الجثث وفي إحدي يديه مصباح جيب، وفي اليد الأخري مدية. كان قد علّق جرابا مفتوحا في حزامه.

«رأيته يسلط الضوء علي الجنود القتلي، واحدا وراء الآخر ويمثل بهم. كان يضع الأذن في الجراب الصغير».

أذن من كل جثة عراقية. هكذا كان يمكن أن يعبروا بالأرقام عن مدي نجاح الكمين الذي نصبوه.

«ثم قطع من كل جثة من جثتي الزميلين اللذين كنت قد اختبأت تحتهما أذنا. لم يلفت انتباهه أني ما زلت علي قيد الحياة عندما حان الدور عليّ، فقد كان الظلام دامسا في آخر الأمر، وعلي ما يبدو فإنه لم يكن لديه فسحة من الوقت».

استدعي واحد من أبناء أعمامي كمجند احتياط. كان عليه أن يؤدي الخدمة في مشرحة مستشفي الرشيد العسكري في بغداد، حيث كانوا يأتون بالقتلي من الضباط والجنود من الجبهة الممتدة التي تجري فيها الدماء أنهارا. كانوا يأتون بهم علي شاحنات: أجسام ممزقة، رؤوس مفصولة عن الأجساد، أذرع وسيقان كثيرة كومت بعضها فوق بعض.

كانت مهمة ابن عمي أن يتعرف علي الضحايا ويضع كل واحد في نعش خاص به، ثم يرسله إلي أسرته. لكن هذا لم يكن سهلا بالمرة. فأن تجد الرأس المناسب لكل جثة، ثم الأذرع والسيقان الخاصة بها، كان مثله مثل اللغز الصعب الذي عليك أن تحله وتجمع أجزاءه، وكل ذلك في وقت وجيز.

شحنات أخري

«كنا نبذل قصاري جهدنا قبل أن ندق المسامير في غطاء النعش. لكنه كثيرا ما كان يحدث أن نرسل ساقين يمنيين أو ذراعين يسريين إلي أسر الضحايا. كنا نعمل بلا انقطاع حتي تأتي الشحنة الأخري».

ذات يوم سألني عما إذا كان يمكنني عن طريق علاقاتي أن يحصل علي نقل في مكان آخر، بما فيها أسوأ الأماكن في الجبهة. لم يعد يتحمل أكثر من ذلك. نجحت في نقله إلي مكان آخر ليس علي هذه الدرجة من الكآبة في مستشفي عسكري آخر. لكنه لم يعد أبدا كما كان قبل الحرب، كما أصيب بمشاكل نفسية عصيبة بعد نهاية الحرب.

كانت النعوش تغطي بالأعلام العراقية، عندما كان يتم نقل الشهداء الذين سقطوا في الحرب إلي مدافنهم. كان هذا مشهدا يوميا في بغداد والبصرة والناصرية وكربلاء والكوت والحلة وسامراء

وتكريت والموصل وجميع القري والمدن في العراق. فلا يكاد يخلو حي من الأحياء من خيمة العزاء التي أقامها الأقارب حتي يتسني للقريب والبعيد من الأهل والجيران والأصدقاء أن يقدموا العزاء ويقرأوا الفاتحة للمتوفي. في جميع الشوارع تقريبا كانت تعلق الأشرطة السوداء علي جدران المنازل، وقد كتب عليها اسم الأبناء القتلي باللون الأبيض.

.. ومر الصاروخ

في ذات يوم كنت أستقل سيارتي أنا وزوجتي وابنتي الصغيرة في بغداد. كنا نسير خلف سيارتين تحمل كل منهما نعشا فوقها. نظرت ابنتي إليهما ثم قالت إنها تتمني أن تموت هي الأخري.

«لم أعد أتحمل أن أري ذلك كل يوم»، ذلك ما قالته.

أخذت زوجتي تبكي.

«كيف لها أن تفكر بهذه الطريقة؟ إنها لم تتجاوز السادسة بعد».

في هذه اللحظة مر صاروخ إيراني من فوق رؤوسنا. سقط قريبا للغاية من فندق الرشيد وانفجر. تأرجحت سيارتنا من شدة الضغط الجوي. لقد كتب الله تعالي لنا النجاة.

في شهر مايو من عام 1985 جاء لي فريق من التلفزيون العراقي ليجري معي حوارا حول أعمالي كفنان وحول الإنجازات العظيمة التي أحرزناها في مجال الجراحة في مستشفي الواسطي والتي استخدمناها في علاج الآلاف المؤلفة من الضباط والجنود المصابين إصابات خطيرة الذين كانوا يأتوننا من الجبهة. كانت السيدة التي ستجري معي الحوار من أفضل المذيعات في العراق، وأكثرهن شهرة. تم التصوير في الأتيليه الخاص بي. كنت قد انتهيت لتوي من لوحة رجل يحاول أن يمنع طائرا كبيرا من أن ينقره في وجهه. كان يمسك بالطائر من جناحيه فوق رأسه. كانت الألوان المستخدمة في اللوحة هي اللون الأحمر واللون الأسود.

سألتني المذيعة: «ماذا يفعل هذا الطائر الجارح»؟

أجبت إن الفكرة هنا تمثل صراع الإنسان مع القدر.

«يتضح من اللوحة أن القدر هو الذي سينتصر. فالرجل لن يتمكن من أن يظل رافعا ذراعيه لأعلي لفترة طويلة».

«فهو إذن الخاسر»؟، ذلك ما سألتني إياه.

«نعم. إنه ينهزم عندما يموت. لكن الحياة تسير وتتقدم. هذا ما يعطي الحياة معناها».

«لكن لا مجال للادعاء بأنك لا تعبأ بالحياة»؟

«في الواقع يوجد دائما قَدْر من المرارة، شئنا أم أبينا». قلت لها ذلك، مذكرا إياها بالملاكم الأميركي الشهير محمد علي الذي سئل ذات مرة عما إذا كان لا يزال يعد نفسه الأسرع والأقوي في هذا العالم.

أجاب بطل الوزن الثقيل: «لقد اكتشفت أن الزمن أكثر قوة وسرعة وبقاء».

وأضفت من جانبي أنه بمقدور الوقت فقط أن يعلمنا حقائق الحياة أو علي الأقل جزءا منها.

«ما دمنا شبابا وأقوياء وأغنياء وذوي نفوذ، فإننا ننسي كم نحن ضعفاء، وعندنا قابلية لأن نُجرح. هذه هي مأساة البشرية».

طلبت المذيعة من المصور أن يصور عديدا من اللوحات الأخري المعلقة علي حوائط الأتيليه. كان هناك كثير منها، فبعد فترة وجيزة كنت سأقيم معرضا جديدا.

«إن الناس الذين تحدثت إليهم يجدون لوحاتك تبعث علي الكآبة».

«إن واجبي ليس إضحاك الناس أو نقل مشاعر السعادة للناس بأن أخفي عنهم حقيقة الحياة».

«هل تقرأ الشعر؟ هل يمكنك أن تلقي شيئا علينا»؟، كان ذلك هو سؤالها التالي.

أجبت أني أحمل بداخلي دائما بيتا للشاعر العراقي العظيم المتنبي الذي توفي منذ كذا ألف عام.

خطأ المذيعة

ثم ارتكبت المذيعة خطأ ولكنها لم تدركه إلا فيما بعد.

«أنت جراح تجميل وتقوم دائما بعمليات زرع شعر. لماذا لم تزرع لنفسك شعرا فأنت لم يعد لديك كثير من الشعر»؟

«لم يشكل هذا الأمر مطلقا مشكلة بالنسبة لي. بصراحة أنا لا أفكر في هذا الأمر مطلقا».

«لكن ألا تري نفسك كل يوم في المرآة»؟

«بلي، لكن فقط للحلاقة، وليس لأتأمل نفسي بإعجاب، إذا كان ذلك ما تقصدين».

في اليوم التالي اتصل بي سكرتير الرئيس. «لقد أعجب سيادته بالحوار، ويود أن يراك بشدة». في الحجرة المؤدية إلي حجرة صدام عرفت أنه قد شاهد البرنامج من أوله لآخره، وهو ما يحدث نادرا.

«لكنه ثار ثورة عارمة عندما سألتك المذيعة عن زراعة الشعر وعن ضعف نمو شعرك».

علمت بعد ذلك أن صدام أمر بمعاقبة المذيعة.

لم يسمح لها بالظهور علي الشاشة لمدة ستة أشهر.

خطأ في الحجرة

في أواخر عام 1987 اتصل بي أحد اللواءات من مكتب صدام وطلب مني أن أحضر إلي قصر الجمهورية. فقد أصاب ابن أحد المسؤولين نفسه عن طريق الخطأ ببندقيته الكلاشينكوف في قدمه. تم إدخالي عن طريق الخطأ إلي الحجرة المؤدية لحجرة صدام.

كان صدام يستعد للخروج. تأسف لي علي أن الحرس لم يعرفوا إلي أين يذهبون بي.

«لكن فلتتفضل في مكتبي، فيمكننا أن نشرب الشاي سويا»، ذلك ما قاله واستدار في اتجاه حجرته.

تحدثنا عن الحرب وسألني الرئيس عما إذا كان لدينا كثير من الجرحي في مستشفي الواسطي. أجبت أن عدد الجرحي الذين يأتون إلينا قد لا يكون كبيرا مقارنة بالمستشفيات العسكرية الأخري في بغداد، لكن أصعب الحالات هي التي تأتي إلينا.

فسألني إذا ما كان كثير من الضباط والجنود يأتون إلينا بعد أن يكونوا قد فارقوا الحياة. أجبته أن ذلك أمر نادر الحدوث أن يرسل إلينا جرحي من الجبهة إذا لم تكن فرصتهم جيدة في تحمل مشاق الطريق.

«بعضهم وليس كثيراً منهم يفارق الحياة، ولكن لأي طريق».

صمت صدام. ثم قال: «إنه لأمر مؤسف أن يلقي كثير من الشباب هذا المصير، لكنه لم يكن أمامنا طريق آخر. فلو أننا لم ندخل الحرب لكانت الأجيال القادمة ستديننا علي مر العصور».

لم أجرؤ علي أن أعارضه.

لم يكن هناك سوي قليلين ممن يجرأون علي انتقاد الرئيس حتي بينه وبين نفسه. كان فاتك الصافي الذي أعده صديقا حميما مخلصا واحدا من هؤلاء. كانت له أراض زراعية وانضم لحزب البعث عندما بدأ شيئا فشيئا يثبت أقدامه في العراق في الخمسينات. لحق بصدام عبر الصحراء إلي سوريا عندما اضطر أن يغادر البلاد هاربا بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي قام بها ضد عبدالكريم قاسم في عام 1958. استغرق الهرب أسبوعا تقريبا. كانا يختبئان في النهار ثم يسيران أو يركبان عندما يحل الظلام. كان البدو يساعدونهما في الطريق.

عندما وصل حزب البعث إلي السلطة عرض صدام علي صاحبه عدة مناصب وزارية، لكن الصافي كان دائما ما يرفض. كان يتمني الديموقراطية للعراق وليس الحكم الأسري الذي كان يزداد استبدادا يوما بعد يوم في قصور الرئيس علي نهر دجلة.

وعلي الرغم من ذلك كان صدام يتحدث بشغف مع صديقه القديم. كان علي مدار السنين يزوره كل يوم خميس ليتعشي معه في منزله في حي المنصور.

الانتـخـابات الـحـــرة

«كنت دائما ما أقول له إن أفضل شيء للعراق هو الانتخابات الحرة. يجب أن يحصل العراقيون علي حقوقهم الديموقراطية وأن تكون لديهم الفرصة لممارستها».

كان صدام في بادئ الأمر مستعدا لأن ينصت لي ويتناقش معي.

«لكني بمرور الوقت لاحظت أنه كان يتوتر ويشعر بعدم الارتياح عندما أتطرق لهذا الموضوع وغيره من الموضوعات السياسية المشابهة».

في ليلة صيف في عام 1987 احتدم بينهما الخلاف تماما. كان الرئيس عائدا من الاجتماع السنوي لنقابة المحامين. كان القضاة والمحامون يصفقون في أثناء الخطاب الذي ألقاه وبعده تصفيقا طويلا يصم الآذان. عندما قدم الحساء في منزل الصافي، كان يعرض في نشرة أخبار المساء في التلفزيون العراقي تقريرا تفصيليا عن هذا الاجتماع.

قال صدام: «هل تعتقد أنني طلبت منهم أن يهللوا لي هكذا؟ كان ذلك بمحض إرادتهم. لم يرغمهم أحد علي ذلك».

سخر الصافي منه.

«هل تصدق ذلك حقا»؟

«نعم».

«إذن فأنت مخطئ. ما هؤلاء إلا جماعة من الكذابين المنافقين».

نهض صدام وألقي بملعقته علي المائدة، وغادر منزل الصافي. في هذا المساء قطع كل علاقته بصديقه القديم. لم يأتِ قط للعشاء مرة أخري.

اتضح في صيف عام 1988 أن محلل وكالة المخابرات الأميركية الذي تحدث في إذاعة «صوت أميركا» عندما سقطت قنابل الخميني علي بغداد في سبتمبر عام 1980 كان محقا. فلن يتمكن أحد من الانتصار في هذه الحرب.

علي الرغم من أن الجيش الإيراني كان متفوقا بعدما تمكن في عام 1982 من دحر القوات العراقية الغازية إلي الحدود مرة أخري، لم يتمكن الخميني قط من إحراز الهجوم المضاد الحاسم الذي من شأنه أن يلحق الهزيمة بالعراقيين، ويسقط صدام.

فبفضل إمداد فرنسا والاتحاد السوفيتي للعراق بكميات كبيرة من الأسلحة أصبح العراق هو المتقدم مرة أخري. لكن النصر الحقيقي لم يكن باديا في الأفق. هذا ما أدركه في النهاية صدام والخميني.

في الثامن من أغسطس سكتت المدافع.

أعلن صدام انتصاره، لكن الحدود بقيت علي ما هي عليه قبل حمامات الدم السخيفة. هكذا كانت الحال أيضا في شط العرب، فقد أصبحت أعمق نقطة فيه لا يمكن اجتيازها تقريبا بسبب الحطام الغارق في القاع الذي خلفته القنابل من ورائها.

قديم 06 Jul 2006, 12:40 AM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


############## الحلقة الرابعة: ##############


عدي قتل كامل حنا.. ثار صدام وأحاله للمحاكمة فحاول الانتحار

كامل حنا كان مسؤول خدم صدام ومن القلائل الذين يحظون بثقته الكاملة

تنهيدة من الارتياح سرت عبر الشرق الأوسط كله عندما انتهت الحرب بين العراق وإيران في أغسطس من عام 1988. أرسل الرئيس حسني مبارك زوجته سوزان إلى بغداد مع أرق الأمنيات. كانت قرينة الرئيس المصري على علاقة جيدة مع ساجدة زوجة صدام. في أثناء الزيارة أقامت كلتا السيدتين في واحدة من دور الضيافة الرسمية التابعة للنظام على مقربة من القصر الجمهوري المطل على الضفة الغربية لنهر دجلة.

كانت حديقة الأعراس تقع غير بعيدة عن دور الضيافة العشر على جزيرة غنّاء تملؤها الحدائق والأشجار الجميلة في بحيرة شاطئية ضحلة تكونت من أحد فروع نهر دجلة. كان هناك جسر يعبر بك إلى الحديقة التي كان يحيط بها ما يقارب من أربعين بيتا من بيوت الضيافة، والتي كان يمكن تأجيرها للمناسبات الاحتفالية. كانت هناك قاعة خاصة محجوزة لاحتفالات الزواج.

في نهاية جزيرة الأعراس كانت هناك ست دور أخرى للضيافة، وكانت تتمتع بمزيد من الفخامة عن الدور الأخرى. كان لكل دار منها حمام سباحة، وكانت هذه الدور مقتصرة على الرئيس وعائلته، والعاملين المقربين، أي الوزراء وكبار القوم من مجلس قيادة الثورة.

ساجدة تستضيف سوزان مبارك

أمام إحدى هذه الدور كانت هناك سهرة انبعثت منها أجواء من الارتياح الشديد، حينما قررت كل من ساجدة وسوزان مبارك الخلود إلى النوم في دار الضيافة الرسمية التي كانت لا تبعد سوى بضع مئات من الأمتار، حيث أخذت الأجواء بعدها تزداد صخبا على صخب. كان كامل حنا يقيم احتفالا لأحد أقربائه الذي كان يحتفل بعيد ميلاده المتمم لعقد من عمره. لم يُحرم في هذه الليلة من ليالي أغسطس أيٌ من الضيوف الذين كان يقارب عددهم الخمسين من أن ينال ما شاء من الخمور.

كان حنا الخادم الخاص لصدام. كان مسيحيا من الشمال، ولم يكن من عائلة الرئيس، ولم يكن أيضا من تكريت، غير أنه كان شديد الولاء. كان يقوم بتوفير الخدمة للرئيس ، بدءا من تحضير الملابس والأحذية مرورا بإعداد الطعام وانتهاء بإدارة المجموعة الضخمة من الخدم التي كانت تحيط بصدام. وكان الرئيس يقدر حنا تقديرا عظيما. كان كامل حنا من القلة القليلة التي كان صدام يوليها ثقته. كان الاحترام والثقة متبادلين بين الطرفين.

عدي وزجاجة الفودكا

كان عدي يقيم هو أيضا بجوار القصر الجمهوري، حيث انتقل ابن الرئيس البالغ من العمر أربعة وعشرين عاما للإقامة الدائمة في إحدى دور الضيافة الرسمية. كان عدي يجلس هناك مع صديقه ظافر محمد جابر أمام النافذة مسترخيا كعادته بصحبة زجاجة من الفودكا حينما سُمع دوي طلقات عالية آتية من العرس.

أرسل عدي حارسا من الحرس الخاص إلى هناك ليعرف ماذا يدور، حيث أخبرهما حنا أن الاحتفال الحقيقي لم يبدأ سوى الآن. أخرجت بنادق الكلاشينكوف، وأطلقت منها طلقات في الهواء تعبيرا عن عظيم الفرح وانبهار كل من المضيف والضيوف الذين كانوا مستمتعين استمتاعا يفوق الوصف والذين ازدادوا سكرا على سكر.

«اذهب إلى هناك واطلب منهم أن يتوقفوا عن إطلاق النار»، قالها عدي مضيفا: «وإلا فإنهم سيوقظون أيضا أمي وسوزان مبارك».

عاد الحارس الخاص إلى حديقة العرس وأخبرهم الرسالة. إلا أن إطلاق النار من البنادق الرشاشة استمر.

كان ظافر محمد جابر من عُمر عدي وكان يعرفه منذ كانا يذهبان إلى المدرسة الثانوية. بمرور الوقت أصبح السكرتير الخاص لابن الرئيس. قفز الاثنان في تلك اللحظة مع بعض الحرس الخاص في سيارة، وذهبا إلى كامل حنا لحثه على الهدوء ولوضع نهاية للموسيقى الراقصة الصاخبة، وللطلقات الطائشة هنا وهناك بلا توقف.

150 عصا

كان عدي يلبس الدشداشة. عندما غادر المنزل أخذ معه أيضا عصا مِشْي من العاج اتخذ مقبضها شكل رأس الثعبان ولُفت بالخيزران. أما الثعبان نفسه فقد كان فاغرا فاه، ذا أنياب سم قوية.

«كان عدي يري أن عصا المشي تليق على دشداشته»، أخبرني بذلك جابر فيما بعد، مضيفا: «كانت تمنحه وجاهة شيوخ دول الخليج».

كان ابن الرئيس يمتلك 150 عصا مشي بمختلف الأشكال والتصميمات. لم يتعلم أبدا أن يروض نفسه، إذا أعجبه شيء ما لم يكن ليقنَع بنسخة وحيدة منه. في منزل عمه وطبان رأى شيشة أعجبته. بعدها ببضعة أسابيع أتت شحنة كاملة من الشِّيَش من الهند.

«كانت كبيرة ومرتفعة ارتفاع الباب».

كان هذا ينطبق أيضا على الساعات اليدوية، الحلي، الخواتم، النقود، النساء والسيارات الفارهة. لم يكن أي شيء يملأ عيني عدي. في احد الكراجات على مقربة من القصر الجمهوري كان هناك مئات السيارات من طراز بي.إم.دبليو، ليكسوس، مرسيدس، فيراري ورولس رويس. وعندما اتخذ عدي طريقه مع جابر ومع اثنين من الحرس الخاص إلى كامل حنا كان هناك في الوقت نفسه مزيد من السيارات المتوجهة إلى بغداد.

واحة الأعراس

كانت جزيرة الأعراس بمساحتها الخضراء وبأشجارها الواقعة على تلك البحيرة تمثل واحة في عراق تزداد حالته المأساوية يوما بعد يوم. كان يمكن مشاهدة الجراح التي خلفتها الحرب بوضوح في كل مكان.

قبل عام 1980 لم يكن في بغداد أي من الشحاذين إلا قليلا، أما الآن فقد كانت ناصية كل شارع تعج بهم. أمَر صدام بطبع النقود ليستطيع تمويل الحرب. كانت النتيجة ارتفاعا متسارعا في الأسعار حطم مستوى المعيشة للناس تحطيما كاملا. قبل الحرب كان الدينار العراقي يساوي ما يزيد على ثلاثة دولارات. أما الآن فقد ساد الاضطراب أسعار الصرف. كان عليك أن تدفع ألف دينار للحصول على دولار واحد فقط، غير أن أجورنا ـ بالدينار ـ ظلت على حالها.

استفحال الرشاوى

لم يعد في مقدور موظفي الدولة أن ينفقوا على أنفسهم وعلى عائلاتهم مما يدفع لهم شهريا، فكان أن بدأوا في طلب الرشاوى لأداء ما لديهم من أعمال، ومنها إنجاز الطلبات. لم يعد هناك مكتب من المكاتب، أو إدارة من الإدارات، أو وزارة من الوزارات إلا واستفحل الفساد فيها، وعلى كل المستويات.

بدأ الأمر أول ما بدأ مع الضباط ذوي الرتب العالية الذين تلقى كثير منهم في أثناء الحرب رشاوى محترمة لكي ينقلوا الجنود من قطاعات الجبهة إلى أماكن أقل دموية، بل إن بعضهم استطاع أن يبني منازل ومزارع مما حصلوا عليه من رشاوى في مقابل نقل وحدات كاملة من الجيش. اهتز ما كان لدى الشعب من تقدير كبير للجيش العراقي في الماضي اهتزازا عنيفا منذ أن انقض صدام على نظام الخميني الإسلامي في الشرق.

.. وانتشار الدعارة

بالنسبة إلى عائلات كثيرة كانت الدعارة هي السبيل الوحيد عندما لم يعد هناك ما يكفي من المال، وعندما كان هناك هذا العدد الهائل من الأفواه التي يجب أن تُطعم، بعدما سقط الأخ أو الأب ليختفي بذلك عائلهم.

مع الفقر زادت أيضا معدلات السرقات وغيرها من الجرائم.

غير أن الميراث المأساوي للحرب كان يكمن في هذا العدد الكبير من المعاقين. ما يقرب من 150 ألفا من العراقيين قضوا نحبهم في الأعوام الثمانية التي استمرت فيها الحرب وجُرح 750 ألفا، كثير جدا منهم تعرض لإصابات وعاهات مستديمة، سواء الجسدية منها أو النفسية.

لم يكن العراق على أدني استعداد لرعايتهم. كان مستشفى ابن القف هو المستشفى الوحيد المتخصص، وكان قد شيد بمساعدات دانمركية في أثناء الحرب لإعادة تأهيل مصابي الحرب شديدي الإعاقة. لم تكن طاقته الاستيعابية كافية بأي شكل من الأشكال. كان الآباء والزوجات المنهكون يُحضرون أبناءهم المعاقين بعد منتصف الليل خاصة ليضعوهم في جنح الظلام في حديقة المستشفي حيث كان العاملون به يجدونهم في الصباح. ومع ذلك لم يكن من المتاح تقديم العون لهم، ناهيك عن أن الأطباء وفنيي العلاج الطبيعي الدانمركيين كانوا خائري القوي من العمل الكثير.

أما إمكانات العلاج بالنسبة لعشرات الآلاف من الجنود الذين كانوا يعانون من مشاكل نفسية نشأت من جراء الخوف الذي تعرضوا له في ساحة القتال فكانت أسوأ كثيرا، حيث لم يكن هناك ببساطة أيٌ من الإمكانات لمعالجتهم. وليس من المألوف في العراق كمـا هي الحـال في الشـرق الأوسـط الحديث عن المشكلات النفسية من أساسه، كما ينظر إلى المرضى الذين يخضعون للعلاج النفسي نظرة دونية، حيث تحـاول العائلات مـا أمكن لها ذلك أن تخفـي ما تعتبره في داخلها عارا ليس دونه عار.

وقتها كان يوجد في كل مدينة، في كل قرية، وفي كل حي تقريبا شباب يعانون من مشاكل نفسية مستعصية. كان يحز في نفسي كطبيب أن أشاهد ذلك دون أن أفعل شيئا.

أشك في أن يكون أي من الحاضرين لاحتفال كمال حنا في العرس الذي أخذ يتزايد صخبا على صخب مهتما بما عليه العراق من حالة سيئة.

قديم 06 Jul 2006, 12:41 AM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


اخجلوا

غير أنه عندما ظهر عدي بصحبة عصا المشي الخاصة به المصنوعة من العاج ساد المكان صمت القبور. أخذت الطلقات، والموسيقي، والرقص في التوقف من فورها. يبدو أن حنا كان قد شرب كميات كبيرة من الويسكي حتى أنه اضطُر الى الاستناد الى غيره حتى يستطيع مواجهة زائره. حسبما يتذكر جابر فإن عدي كان قد افتتح النقاش متوعدا.

«اخجلوا من أنفسكم»، قالها عدي مضيفا: «رجوتكم عبر الحرس الخاص أن تهدأوا قليلا. لكنكم لم تعيروا الأمر اهتماما. تاه حظك، لتنزل عليك كل مصائب الدنيا! أدب سيس (من التركية، تعني دون أدب يا لك من خصي معدوم الخلق»!

«إنه حفلي الخاص»، أجابه حنا مضيفا: «إنك تدس أنفك في كل شيء. أخرج نفسك منها هذه الليلة»!

رفع عدي العصا المصنوعة من العاج عاليا.

«يا كلب. كيف تجرؤ على مجرد التفكير في الحديث معي بهذا الشكل»؟

وعاجل عدي حنا بضربة على رأسه ليخر الخادم الخاص على الأرض.

«سأحكي ذلك لوالدي»، قالها عدي قبل أن يغادر هو وجابر، والحارسان الخاصان الحفل بعد أن توقف صخب الحفل!

لقد قتلته

اعتقد الأربعة أن كمال حنا سقط لأنه أفرط في الشراب وأن الضيوف الآخرين سيساعدونه على النهوض.

اتصل صدام بابنه مع أول خيوط الفجر. كان عدي مندهشا، فقد كان من غير المعتاد على الإطلاق أن يقيم الرئيس اتصالا مباشرا معه على هذا النحو. بدأ يروي لوالده عن كامل حنا وعن أحداث الليلة، غير أن صداما لم يمهله الفرصة للحديث.

«لقد قتلته»، قالها صدام في برود شديد مضيفا: «ستبلغ الشرطة الآن عن الحادث لتلقي الجزاء الذي تستحقه».

عندما نُقل خبر قتل كمال حنا على يد عدي إلى الرئيس خرج صدام عن شعوره تماما.

«سأقتله بيدي هاتين»، خرج صوت صدام راعدا في حضرة زوجته ساجدة. كان قد نُقل إليها خبر ما حدث، فما كان منها إلا أن غادرت دار الضيافة التي كانت تقضي فيها ليلتها مع قرينة الرئيس المصري متوجهة إلى البيت على عجل.

أفزعت ثورة الغضب العارمة التي انتابت صدام والدة عدي، التي اتصلت في يأس بصهرها برزان وروت له ما هدد به صدام. «لا بد أن تأتي حالا وتهدئه».

شعر رأسه.. واقف

عندما ظهر الأخ غير الشقيق في قصر الرئيس كان صدام لا يزال في ثورة غضبه، ولا يمكن التحدث إليه. في ذات مرة أسرّ برزان إليّ بأن العائلة كانت تستطيع أن تري متى كان الرئيس غاضبا حقا، فإنه حين يغضب كان شعر رأسه يقف مثل القنفذ، كما هي الحال الآن.

فيما بعد أخبرني برزان بالآتي: «لو كان عدي بالمقربة منه لكان قد قتله بلا شك. لم أره أبدا غاضبا وخارجا عن شعوره بمثل هذه الدرجة».

شيئا فشيئا أخذ الرئيس يهدأ، وكان في مقدور برزان أن يتحدث معه.

«الآن دعنا نفكر في الأمر في هدوء شديد. إذا قتلت ابنك، فإن هذا لن يعيد كامل حنا إلى الحياة، ولن نجني وقتها سوى الخسارة، خسارة مزدوجة سواء في حجمها أو في تأثيرها. من الأفضل تقديم عدي للمحاكمة، وعلى القضاء تقرير مصيره».

قال صدام: «سأقدمه للمحاكمة».

محاولة انتحار

أصابت عدي صدمة عندما تكشف له ما جنت يداه. تناول أنبوبا من حبوب منومة، وابتلع كل ما فيه.

عندما بدأت الحبوب تأتي مفعولها، وسقط عدي على الأرض نقله حرسه الخاص إلى مستشفي ابن سينا. كان هذا المستشفي الصغير في الأصل عيادة خاصة، تم تحديثها وتوسعتها بعد الانقلاب واستيلاء حزب البعث على الحكم. كان في المستشفي عشرون سريرا وغرفتان للعمليات، كما كان حسب المعايير الغربية مجهزا تجهيزا لا بأس به بالأجهزة الطبية الفنية. كان الأطباء والممرضات الأكفاء يعملون تحت رقابة أمنية. عادة ما كان يقوم جراح وطبيب باطني بالاشتراك مع عشر ممرضات بالخدمة ليل نهار.

كان زحام المرضي يتصاعد باستمرار. لم يكن عدد الذين يزورون هذا المستشفي الصغير الراقي قليلا بأي حال من الأحوال، إذا ما انضم لحسبتنا كل الزوجات، والأطفال، والأقارب والخليلات للنخبة العراقية.

أفرغت معدة عدي باستخدام الشفاط في الوقت المناسب.

لم أكن في مجموعة الخدمة عندما نُقل الابن الأكبر للرئيس إلى مستشفي ابن سينا، غير أن زملائي حكوا لي بعدها ببضعة أيام أنه حاول الانتحار، لكنهم أنقذوه. أما صديقه جابر فقد روى لي تفصيليا فيما بعد ماذا وقع من أحداث قبل، وأثناء، وبعد الحادث المؤسف في حفل كامل حنا.

تسليم نفسه

ظل عدي طوال الليل تحت الملاحظة في مستشفي ابن سينا، ليعود بعدها إلى دار الضيافة التي كان يقيم بها. أعطى حرسه الخاص والخدم إجازة وتحصن بأجولة الرمل في التراس أمام الباب. عندما أتى بعض من حرس صدام الخاص ليأخذوه أطلق عدي النار من مدفع كلاشنيكوف على سياراتهم. عادوا أدراجهم وأخبروا الرئيس أن الحالة النفسية لابنه لا تزال مقلقة.

تُرك عدي حتي اليوم الذي يليه على حاله. بعدها أتت والدته وأخوه الأصغر قصي ليعيدوه إلى صوابه. أتيا بمفردهما، بلا حرس، واستغرق الأمر زمنا غير قصير إلى أن استطاعوا إقناعه بتسليم نفسه.

لم يقبض لا على عدي ولا على جابر على الفور. أراد صدام أن يعرف كل شيء عن هــذه المأســاة الشائكة قبــل أن يُشرك الهيئات القضائيـة في الأمر. كان هناك قدر لا بأس به من الاشاعات تلف العراق والتي كان يتلقفها خصوم عدي في نهم. كان أعضاء الأسرة تدور بينهم باستمرار معارك حول المناصب المهمة والوجيهة، إذا استثنينا منصب الرئيس نفسه.

مؤامرات حسين كامل

كان زوج ابنة صدام، أي حسين كامل، من أكثر الضالعين في المؤامرات. كان حسين كامل ابن أخت علي حسن المجيد، أحد أبناء عمومة صدام، يشغل منصبا مهما هو وزير الصناعة والتصنيع العسكري، وكان مسؤولا عن برامج تطوير الأسلحة للعراق. كان حظيّ صدام، وكان زواجه من ابنة الرئيس رغد هو دليل دامغ على ذلك.

الأيام الطويلة

حظي أيضا أخوه صدام كامل بثقة كبيرة. زوجه صدام من رنا أخت رغد، كما كان واحدا من أخلص حرسه الخاص. وقد لعب الدور الرئيسي لصدام في «الأيام الطويلة»، وهو فيلم مدته ست ساعات عن حياة الرئيس، والذي كان يُعرض مرارا في التلفزيون العراقي وفي دور السينما في البلاد لسنوات كثيرة. أخرج هذا الفيلم المخرج الإنكليزي تيرينس يانغ الذي كان قبلها مخرجا لثلاثة من أفلام جيمس بوند، إلى أن دخل التاريخ مجددا في بغداد.

استقبل الإخوة الثلاثة غير الأشقاء، سبعاوي، وبرزان، ووطبان زواج الشقيقين من ابنتي الرئيس بالرفض التام والانزعاج. أثار تزويج صدام لابنته رغد بحسين كامل تحديدا البغضاء في الأسرة. كل الإخوة غير الأشقاء كانوا يرون أن ابن سبعاوي ياسر هو الوحيد الأصلح لها، حيث كان سيعني هذا الزواج أيضا توطيد روابط الدم بين فرع عائلتهم وفرع عائلة الرئيس، وهو الأمر الذي رفضه صدام.

كان في هذا إشارة واضحة إلى برزان.

مخبرون في كل مكان

في عام 1980 أصبح برزان الأخ الأوسط من بين الإخوة غير الأشقاء رئيسا للمخابرات، حيث تولي مهمته بجدية شديدة. تم توسيع عمليات هذه الهيئة، وشبكة المخبرين سواء في خارج البلاد أو في العراق توسيعا كبيرا. ولم يكن عندهم فرق بين الخصوم العراقيين لصدام المشتبه فيهم، وبين الحقيقيين منهم.

كثيرا ما كان برزان يتفاخر أمامي بأن جهاز المخابرات في ظل قيادته كان له عملاء ومخبرون في كل أنحاء العالم وأنه لم يكن أبدا في يوم من الأيام بمثل هذه الفعالية.

«لا يوجد حتى عراقي واحد يجلس في حانة في أي قرية مهجورة في اليابان ويتحدث بسوء عن صدام ونظامه يمكنه أن يتوهم لنفسه الأمان»، هكذا كان رأيه.

في المدارس الشعبية كان المدرسون يسألون تلاميذهم عما إذا كان آباؤهم قد أداروا جهاز التليفزيون عندما كان يُعرض برنامج عن الرئيس. فإذا أجاب أحدهم بالنفي كان يمكن أن ينتهي الأمر بالأب إلى التحقيق والمساءلة.

روح.. رياضية!

كان مشجعو النوادي العريقة غاضبين من سرقة عدي الدنيئة لأفضل لاعبيهم. كل العراقيين تقريبا من مشجعي كرة القدم، وكثير منهم لا يزال يتذكر جيدا أول مباراة لفريق عدي ضد فريق العاصمة، نادي الطلبة، المرشح الأكبر للفوز، في ملعب الشعب في بغداد في ليلة من ليالي الشتاء في مطلع عام 1985.

بُني هذا الملعب لممارسة الرياضة وكرة القدم في عام 1966 بأموال الهيئات الخيرية لبارون البترول الأرمني كالوست جولبنكيان .كان هناك ستون ألفا من المشاهدين في ملعب الشعب عندما أُطلقت صافرة البداية. كان خمسة وتسعون بالمائة من المشاهدين يساندون نادي الطلبة، أما الألف المتبقية من المشاهدين فقد دفع لهم ليشجعوا الرشيد على قدر ما أوتوا من قوة. أما المذيع فقد أمره ابن الرئيس بأن يحذر أعضاء الفريق المقابل لفريق الرشيد من اللعب بصورة جيدة، وترك لنفسه الحبل على غاربه في استعمال مكبرات الصوت في الاستاد لتشجيع الوافدين الجدد (الرشيد على أرض الملعب تشجيعا ناريا، فقد كان عليهم أن يعطوا كل ما عندهم لسحق الخصم.

سرى القلق إلى المدرجات، وأخذ الناس في رمي اللاعبين الذين خانوا نادي الطلبة، وفروا إلى عدي. كان على وحدات كبيرة من الشرطة التدخل لإيقاف القاذفين بالحجارة والقضاء على التمرد الوليد.

أما المأساة الكبري فكانت الحكم. في كل مرة كان يحتسب فيها ضربة حرة ضد الرشيد كان ينظر في رعب إلى منصة الشرف ليري رد فعل ابن الرئيس. تقدم نادي الطلبة لفترة كبيرة من عمر المباراة بهدف. واحتسب الحكم في آخر دقيقة ضربة جزاء لفريق الرشيد. لم ير المتفرجون أحدا من لاعبي نادي الطلبة يرتكب أي خطأ، غير أن جميعهم أدرك أن هذا الحكم المسكين كان عليه أن يفعل أي شيء للنجاة بحياته.

انتهت المباراة بالتعادل بهدف لكل فريق.

برزان وتآمر حسين كامل

كان رئيس المخابرات برزان يعتبر ثاني أقوى رجل في العراق، وهو الأمر الذي لم يعجب عدي، وقصي، وحسين كامل، وخاله علي حسن المجيد. أخذوا يتابعون نشاطه بمزيد من الحسد والتشكيك، وانتابهم اليأس من أنهم لم تعد لديهم المقدرة على المنافسة في السباق الدائر للفوز بالحظوة لدي الرئيس. بتحفيز من حسين كامل بدأوا يزرعون الشـك في دوافع برزان، هامسين أن على الرئيس أن يكون على حذر، وأنه من المتصور أن هذا الأخ غير الشقيق القوي يريد حتى الاستيلاء على السلطة في العراق.

شيئا فشيئا بدأ صدام يعتقد أنهم ربما يكونون على حق، وأن رئيس المخابرات ربما يمثل تهديدا. وعندما تجاهل صدام احتجاجات إخوته غير الأشقاء وزوّج ابنته رغد من حسين كامل أدرك برزان ما حل به: لم يعد رقم واحد عند صدام. فقد أعفاه من منصبه عام 1983. وقال لي فيما بعد:

مع خروج برزان من اللعبة سنحت الفرصة أخيرا لضرب عدي في إطار الصراع الداخلي حول السلطة. لم يدع حسين كامل هذه الفرصة تفوته. انهمك حسين كامل بروحه ودمه في كشف ملابسات ما حدث في تلك الليلة التي قتل فيها كامل حنا. لم يتردد ولو للحظة.

امبراطورية عدي

كان عدي ذو الأربعة والعشرين ربيعا قد بدأ صعوده في سلم السلطة في عهد صدام. وقبلها بأربع سنوات كان قد عين مسؤولا للشباب، وأسس أول جريدة له، جريدة «البعث الرياضي». ومكنته هذه الجريدة من مهاجمة الوزراء الآخرين، وغيرهم من الشخصيات المهمة، إما لأنه كان لا يحبهم أو لأنهم اعترضوا طريقه بشكل أو بآخر. كان الهجوم يتم في المقالة الرئيسية أو في التحقيقات التي تتناول عجزهم بالتفصيل. كان الشباب يجوبون الشوارع في مسيرات رافعين لافتات تقول: «عدي فخرنا الكبير»، و«عدي أملنا».

كما أسس ناديا جديدا لكرة القدم، وهو الرشيد، حيث أدرك أفضل لاعبي العراق سريعا أنهم حسنا فعلوا عندما انتقلوا إلى هذا النادي، حيث كانت أجورهم أفضل، وكانوا يحصلون على بدلات تدريب جديدة، وأحذية كرة جيدة، ومن حين إلى آخر دعوة لتناول خروف كامل مشوي على العشاء. أما أهم شيء فهو أن عدي كان يحول بينهم وبين أن يرسلوا إلى جبهة القتال. كان كل اللاعبين يرسلون إلى وحدة خاصة تتبع الحرس الجمهوري وكانت بغداد هي محل خدمتها.

قديم 06 Jul 2006, 12:44 AM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
أصعب الأشياءوأكثرها سهوله
 
الصورة الرمزية نبع الوفاء
إحصائية العضو







  التقييم نبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرمنبع الوفاء عضو مخضرم

نبع الوفاء غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : نبع الوفاء المنتدى : كتب السياسة والتاريخ"> كتب السياسة والتاريخ
افتراضي


############## الحلقة الخامسة: ##############


عدي يكتشف زواج صدام من سميرة الشهبندر ويبلغ قصي: والدنا يلعب بذيله



صدام تعرض لحادث سيارة وكان وجهه ملطخاً بالدم في مستشفي ابن سينا



عاصفة الصحراء

في مساء الأول من فبراير من عام 1991 كنت جالسا إلي المائدة مع زوجتي وأبنائنا الثلاثة وابنتي، حينما سقطت القنابل علي بغداد، وحيث كانت القذائف تنفجر في كل مكان. لم يكن هناك كهرباء لفترة طويلة، وكنا لا نزال نجلس علي ضوء الشموع كما كانت الحال دائما في غرفة في وسط المنزل. إما أن ننجو في هذه الليلة، أو أن العائلة كلها ستقضي نحبها سويا، إذا أتي الدور علينا. وهكــذا ربمــا كان مــن الأفضل ــ كما دار الفكر بنا ــ أن نفعل مثل كثير من العائلات التي دفع الخوف بأفرادها إلي البحث عن الملاذ فيما بين أنفسهم.


ارتجاج عنيف


كان دوي قاذفات القنابل معدني الرنين فوق رؤوسنا أشبه بصوت مثقاب طبب الأسنان المصم للآذان. بعدها سُمع صوت الانفجارات. تهشمت النوافذ، وارتج بيتنا ارتجاجا عنيفا. كشفت صفارات الإنذار أن سيارات الإسعاف كانت في طريقها إلي القتلي والمصابين.


كانت هجمات الطيران العنيفة قد بدأت قبلها بأربعة عشر يوما تمهيدا لعملية «عاصفة الصحراء» التي كانت رد الأمم المتحدة علي غزو الكويت في أغسطس من العام السابق. كان الهدف هو طرد جنود صدام من الكويت، ولكن قبلها عزمت قوات التحالف، التي كانت تجري استعداداتها في المملكة العربية السعودية، بمختصر العبارة علي قصف كل شيء بالقنابل، المراكز العسكرية الرئيسية للعراق، مراكز القيادة المركزية والمطارات، والمباني الإدارية للحكومة، والوزارات، ومراكز الاتصال، والشوارع، والجسور ومحطات الطاقة.


أمر بالتوجه إلي المستشفي


في هذه الليلة من ليالي الحرب لم يدم تناول الطعام مع الأسرة طويلا. في الساعة العاشرة والنصف طرق اثنان من حرس صدام الخاص بابي. كان معهما سائق. كانوا مضطربين عصبيا وأمروني بالتوجه معهم فورا إلي مستشفي ابن سينا.


اخترقنا بسرعة شديدة شوارع مدينة بغداد الغارقة في الظلام. لم تكن رؤية أي شيء ممكنة إلا عندما كانت إحدي القنابل أو أحد الصواريخ ينفجر علي مقربة منا. كنت علي ثقة بأن هذا المشوار سينتهي بكارثة، وشكرت الخالق عز وجل عندما وصلنا إلي هدفنا بلا خدوش.


كان المستشفي محاطا بالجنود. الممرات أيضا كانت تعج بهم. عندما سجلت اسمي في دفتر الحضور أصاب صاروخ البناء المبني من الطوب الذي اتخذه جهاز الأمن للرئيس مقرا له، والذي كان لا يبعد سوي بضع مئات من الأمتار عن مستشفي ابن سينا. كان الانفجار شديدا للغاية حتي أن عديدا من النوافذ في ناحية من نواحي المستشفي قد تطايرت إلي الداخل. في غرفــة العمليــات الواقعة في الطابق الأرضي كان يرقد صدام. كان منظر وجهه لا يسر عدوا أو حبيبا.


«رجوتهم ألاّ يفعلوا شيئا حتي تأتي»، قالها صدام مضيفا: «لقد تعرضت لحادث سيارة».


كان الرئيس شاحب الوجه وملطخا بالدماء، غير أنه كان هادئا، رابط الجأش.


دار الحديث عن اصطدام سيارة صدام في تقاطع مع سيارة أخري في الظلمة الحالكة لبغداد. كان نصف وجهه الأيسر تحديدا قد تعرض للإصابة. كان يسيل الدم منه من جرح في جبهته وسحجة في خده الأيسر. كان هناك قطع أكثر غورا في ذقنه حتي العظم.


كانت أُنملة الخنصر الأيمن للرئيس تكاد تكون مقطوعة، فقد أخذت تتأرجح علي كفه هنا وهناك، وقد تعلقت فقط بطبقة رقيقة من الجلد. أما الظفر فلم يكن موجودا. بعد أن نظفت الجراح، وأمرت بإجراء أشعة علي الرأس واليد اليمني بدأت ــ بعد أن خدرته موضعيا ــ في ترقيع جروح الرئيس. أعدت أنملة الخنصر إلي مكانها، خيطتها بإحكام ووضعت جبيرة علي الأصبع. بعدها وضعت له ضمادة.


مقابلة بريماكوف


سألني: «هل تستطيع أن تتجنب وضع ضمادات علي وجهي»؟


أجبته بالإيجاب، وقلت له إنني أستطيع أن أخيط بعض الغرز الصغيرة تحت أول طبقة خارجية للجلد، بحيث لا يكاد يري شيء.


«يجب أن تعرف أنني سأقابل غدا بريماكوف، ولا أريد أن تظهر جراحي في الصور التلفزيونية التي ستبث في العالم كله».
كان يفغيني بريماكوف ، وكان مستشار السياسة الخارجية للرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، قد توجه إلي بغداد في مهمة خاصة تتمثل في دفع العراق للانسحاب من الكويت والتوصل الي حل سلمي يرضي عنه صدام دون أن يفقد ماء وجهه.


كان يتحدث العربية وتعرف علي صدام في الستينات عندما كان يعمل مراسلا صحفيا في الشرق الأوسط لجريدة الحزب «برافدا». كان يحظي بثقة كبيرة، ليس في بغداد فحسب، بل إن عاهل الأردن الملك حسين والرئيس السوري حافظ الأسد كانا يستأنسان بمقترحات بريماكوف.


لم يجرح في هذا الحادث الرئيس العراقي فحسب، بل أيضا حارسه الخاص، وزوج ابنته صدام كامل. فقد أصيب بجرح نافذ في شفته السفلي، حيث يمكن رؤية أسنانه من خلاله.
«هل تستطيع أن تعتني به هو الآخر»، سأل حماه.


أجبت قائلا: «بالطبع».


اهتمام بصدام كامل


كنت منهمكا في الإعداد للعملية حينما ظهر الرئيس عند الباب.


«هل يمكن لي أن أدخل»؟


«تفضل».


جلس وأخذ بيد صدام كامل.


«اعمل علي إخفاء الندبة بقدر ما تستطيع».


طوال العملية التي استغرقت ما يقرب من الخمس والأربعين دقيقة كان صدام يمسك بيد زوج ابنته. لم أره يفعل مثل هذا الشيء مع أي من أقربائه من قبل ولا من بعد.


سميرة الشهبندر


كان لا يزال هناك في السيارة المنكوبة أشخاص آخرون. ما إن انتهيت من صدام كامل حتي اختلي الرئيس بي جانبا وطلب مني أن أتوجه بأسرع ما يمكن إلي مستشفي الكاظمية في بغداد.


قال لي: «هناك ترقد مواطنة أُصيبت هي الأخري في الاصطدام. أرجو أن تعمل قصاري جهدك من أجلها إذا تكرمت».


كان هناك واحد من الحرس الخاص للرئيس يقف أمام غرفتها عندما وصلت إلي هناك. أدركت علي الفور أن الأمر لا يمكن أن يكون له علاقة بأي مواطنة عادية؛ كانت شقراء، زرقاء العينين، ما بين الأربعين والخمسين.


الرئيس كلفني


كانت عظمة الخد اليسري مكسورة، كما كان هناك جرح قطعي غائر في جبهتها. أعددت كل شيء حتي يتسني إجراء الجراحة لها في صباح اليوم التالي، وحكيت لها أن الرئيس كلفني أن أعتني بها علي قدر طاقتي. عندما كنت في غرفتها سألت الحارس الخاص إذا كان في إمكانه توفير بنزين لسيارتي. في هذه الأيام العصيبة من أيام الحرب كان من شبه المستحيل العثور علي وقود.


قالت السيدة وهي تنظر إلي الحارس: «وفر له خمسين لترا». في هذه اللحظة أدركت أنها علي علاقة أكثر حميمية بصدام عما كنت أظن في بادئ الأمر. كانت سميرة الشاهبندر، الزوجة الثانية للرئيس.


زوجة رئيس الشركة


تقابل الاثنان بالمصادفة في بداية الثمانينات. كانت شركة الخطوط الجوية العراقية قد اشترت آنذاك طائرة جامبو عملاقة. اصطحب رئيس الشركة في لندن زوجته إلي بغداد لكي تشهد مراسم تسليم الطائرة وما يليها من احتفال. وكان عليه ألاّ يفعل ذلك؛ فقد وضع صدام عينيه عليها.


كانت هناك اشاعات، غير أن قليلين كانوا يعرفون عن الصديقة الجديدة للرئيس. حتي ولداه عدي وقصي لم يكونا يعلمان بالأمر، لكنهما كانا يشكان أن والدهما قد عاد الي الحب من جديد. أضاف إلي مقتنياته سيارة ليموزين كبيرة لها جدار معتم عازل للصوت يفصله عن السائق والحارس الخاص.


ظافر محمد جابر ــ صديق عدي وسكرتيره الخاص ــ كان له أقارب يقيمون علي مقربة من السفارة الصينية في حي العامرية الذي يبعد كثيرا عن القصر الجمهوري. كانت سميرة الشهبندر قد انتقلت للإقامة في منزل يقع قريبا جدا من هناك.


شيئا فشيئا بدأ الحديث يكثر بين الجيران يتحدثون بطبيعة الحال عن المرسيدس الكبيرة والحرس الخاص اللذين كانا يقلانها باستمرار. كما لم يغب عن الجيران أيضا الطريقة التي عادت بها بعد العملية في عظمة الخد المكسورة من المستشفي إلي البيت.

موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الكتاب الرائع ( ابدأ بكسر كل القواعد ) اضحك كتب تطوير الذات والتنمية البشرية 1884 01 Apr 2014 09:02 AM
الرجال من المريخ والنساء من الزهره رابط جديد نبع الوفاء كتب المرأة والأسرة 372 09 Mar 2012 03:26 PM
نفحات رمضانية تـــــــــــــ فضل وأحتسي قدحا ً رمضاني دمعتي قسم سنوي الخيمة الرمضانية 31 27 Jul 2011 07:29 AM


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir